وَأَمَّا الِاقْتِتَالُ فَلَا يَقَعُ سَبَبًا لِلْإِيمَانِ أَوِ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا أَوْ لَا أَوْ جَاءَكُمْ بِالنَّبَأِ فَصَارَ فَاسِقًا بِهِ، وَلَوْ قَالَ: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْفُسَّاقِ جَاءَكُمْ، كَانَ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا مَشْهُورَ الْفِسْقِ قَبْلَ الْمَجِيءِ إِذَا جَاءَهُمْ بِالنَّبَأِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ تَعَالَى: (اقْتَتَلُوا) وَلَمْ يَقُلْ: يَقْتَتِلُوا، لِأَنَّ صِيغَةَ الِاسْتِقْبَالِ تُنْبِئُ عَنِ الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ تَمَادَى الِاقْتِتَالُ بَيْنَهُمَا فَأَصْلِحُوا، وَهَذَا لِأَنَّ صِيغَةَ الْمُسْتَقْبَلِ تُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، يُقَالُ فُلَانٌ يَتَهَجَّدُ وَيَصُومُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ: (اقْتَتَلُوا) وَلَمْ يَقُلْ اقْتَتَلَا، وَقَالَ: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما) وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَهُمْ، ذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَ الِاقْتِتَالِ تَكُونُ الْفِتْنَةُ قَائِمَةً، وَكُلُّ أَحَدٍ بِرَأْسِهِ يَكُونُ فَاعِلًا فِعْلًا، فَقَالَ: (اقْتَتَلُوا) وَعِنْدَ الْعَوْدِ إِلَى الصُّلْحِ تَتَّفِقُ كَلِمَةُ كُلِّ طَائِفَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ يَتَحَقَّقُ الصُّلْحُ فَقَالَ: (بَيْنَهُما) لِكَوْنِ الطائفتين حينئذ كنفسين.
(فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ...(9)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَلِمَةُ (إِنْ) مَعَ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ الَّذِي لَا يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ، وَبَغْيُ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الِاقْتِتَالِ لَا بُدَّ مِنْهُ، إِذْ كَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَكُونُ مُحْسِنًا، فَقَوْلُهُ (إِنْ) تَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: إِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ؟