نَقُولُ: قَدَّمَ اللَّهُ مَا هُوَ الْأَهَمُّ عَلَى مَا دُونَهُ، فَذَكَرَ جَانِبَ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ جَانِبَ الرَّسُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُفْضِي إِلَى الِاقْتِتَالِ بَيْنَ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ بِسَبَبِ الْإِصْغَاءِ إِلَى كَلَامِ الْفَاسِقِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَذْكُرُ كُلَّ مَا كَانَ أَشَدَّ نِفَارًا لِلصُّدُورِ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْحَاضِرُ أَوِ الْغَائِبُ فَلَا يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ إِلَى حَدٍّ يُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ عَقِيبَ نَبَأِ الْفَاسِقِ آيَةَ الِاقْتِتَالِ، فَقَالَ: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) .
(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ...(7)
قَالَ (فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ) لِيُعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ يُوَافِقُهُمْ وَيَفْعَلُ بِمُقْتَضَى مَصْلَحَتِهِمْ تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ قوله تَعَالَى: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) [آلِ عِمْرَانَ: 159] .
* إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ) فَلَا تَتَوَقَّفُوا فَلِمَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ؟
قُلْنَا لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى ظُهُورِ الْأَمْرِ يَعْنِي أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ، إِذْ لَيْسَ بَعْدَهُ مَرْتَبَةٌ حَتَّى يَتَوَقَّفَ إِلَى بُلُوغِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ لِأَنَّ مَنْ بَلَغَ إِلَى دَرَجَةِ الظَّنِّ فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ دَرَجَةَ الْيَقِينِ، فَلَمَّا كَانَ عَدَمُ التَّوَقُّفِ فِي الْيَقِينِ مَعْلُومًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لَمْ يَقُلْ: فَلَا تَتَوَقَّفُوا بَلْ قَالَ (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ) أَيْ بَيَّنَهُ وَزَيَّنَهُ بِالْبُرْهَانِ الْيَقِينِيِّ.
* مَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) ؟