وبعد. فإن تلك الخلافات والفتن التي حدثت بين أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من قتال فيما بينهم، مع بغي أحدهم على الآخر، وما حصل بينهم بعد ذلك من إصلاح وتحكيم بما يرضي اللَّه -عزَّ وجلَّ-، ثم قبول كل من الطرفين بهذا الحكم، إنما يذكرنا بقول اللَّه تبارك وتعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 9، 10) . والحرص على الإصلاح والسعي، وإلى لمّ شعث المسلمين كان رجاء أمير المؤمنين عليّ -رضي اللَّه عنه-، وكذلك البعد عن كل ما يوقع البغضاء والفرقة في نفوس المسلمين، لهذا سعى أمير المؤمنين عليّ -رضي اللَّه عنه- إلى البعد عن كل ما يثير الأحقاد ويفرق الصفوف ومن ذلك: القول السيئ، فنهى من كان في جيشه عن لعن
وشتم جيش معاوية بن أبي سفيان، مع حدوث القتال فيما بينهم.
ومما يدل على التلاحم الأخوي والتراحم الديني بين أمير المؤمنين عليّ ومعاوية -رضي اللَّه عنهما- مع ما كان بينهما من اختلاف اجتهادي - فقد كان معاوية كلما تذكر عليًا بعد استشهاده بكى على فقده وترحم عليه.
فعن الأصبغ بن نباتة قال: (دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي سفيان -رضي اللَّه عنه-، فقال له: صف لي عليًا؟ قال: أو تعفيني؟ فقال: لا، بل صفه لي. قال ضرار: رحم اللَّه عليًا! كان واللَّه فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويقربنا إذا زرناه، لا يغلق له دوننا باب، ولا يحجبنا عنه حاجب، ونحن -واللَّه- مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نبتديه لعظمته، فإذا تبسم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم.
فقال معاوية: زدني في صفته. فقال ضرار: رحم اللَّه عليًا كان -واللَّه- طويل السهاد، قليل الرقاد، يتلو كتاب اللَّه آناء الليل وأطراف النهار.