لَمْ يُطْلِقْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِلْأَعْيُنِ النَّظَرَ إلَى الْإِمَاءِ الْبَارِعَاتِ الْجَمَالِ، وَإِذَا خَشِيَ الْفِتْنَةَ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَمَةِ حَرُمَ عَلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ، وَإِنَّمَا نَشَأَتْ الشُّبْهَةُ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَ لِلْحَرَائِرِ أَنْ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ عَنْ الْأَجَانِبِ، وَأَمَّا الْإِمَاءُ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا فِي إمَاءِ الِاسْتِخْدَامِ وَالِابْتِذَالِ، وَأَمَّا إمَاءُ التَّسَرِّي اللَّاتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِصَوْنِهِنَّ وَحَجْبِهِنَّ فَأَيْنَ أَبَاحَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَهُنَّ أَنْ يَكْشِفْنَ وُجُوهَهُنَّ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ وَأَذِنَ لِلرِّجَالِ فِي التَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِنَّ؟
فَهَذَا غَلَطٌ مَحْضٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَأَكَّدَ هَذَا الْغَلَطَ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ، سَمِعَ قَوْلَهُمْ: إنَّ الْحُرَّةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَعَوْرَةُ الْأَمَةِ مَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا كَالْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالسَّاقِ؛ فَظَنَّ أَنَّ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا حُكْمُهُ حُكْمُ وَجْهِ الرَّجُلِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ لَا فِي النَّظَرِ، فَإِنَّ الْعَوْرَةَ عَوْرَتَانِ: عَوْرَةٌ فِي النَّظَرِ وَعَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَالْحُرَّةُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ كَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ: مَدْخَلُ الْمَعَاصِي النَّظْرَةُ]
وَأَكْثَرُ مَا تَدْخُلُ الْمَعَاصِي عَلَى الْعَبْدِ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ، فَنَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْهَا فَصْلًا يَلِيقُ بِهِ.
النَّظْرَةُ
فَأَمَّا اللَّحَظَاتُ: فَهِيَ رَائِدُ الشَّهْوَةِ وَرَسُولُهَا، وَحِفْظُهَا أَصْلُ حِفْظِ الْفَرْجِ، فَمَنْ أَطْلَقَ بَصَرَهُ أَوْرَدَ نَفْسَهُ مَوَارِدَ الْمُهْلِكَاتِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّمَا لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْأُخْرَى» .
وَفِي الْمُسْنَدِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: