تَبَارَكَ اللَّهُ فَمَا أَعْظَمُ مَا امْتَحَنَنِي بِهِ مِنْ نَظَرِي إِلَى هَذَا الْغُلامِ مَا شَبَّهْتُ نَظَرِي إِلَيْهِ إِلا بِنَارٍ وَقَعَتْ عَلَى قَصَبٍ فِي يَوْمِ رِيحٍ فَمَا أَبْقَتْ وَلا تَرَكَتْ
ثُمَّ قَالَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ بَلاءٍ جَنَتْهُ عَيْنَايَ عَلَى قَلْبِي وَأَحْشَائِي لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا أَنْجُو مِنْ مَعَرَّتِهِ وَلا أَتَخَلَّصُ مِنْ إِثْمِهِ وَلَوْ وَافَيْتُ الْقِيَامَةَ بِعَمَلِ سَبْعِينَ صديقا ثمَّ بكا حَتَّى كَادَ يُقْضَى فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي بُكَائِهِ يَا طَرْفِ لأَشْغَلَنَّكَ بِالْبُكَاءِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْبَلاءِ.
قَالَ أَبو الْحُسَيْنِ الْوَرَّاق: مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ مُحَرَّمٍ أَوْرَثَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ حِكْمَةً عَلَى لِسَانِهِ يَهْدِي بِهَا سَامِعُوهُ وَمَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ شُبْهَةٍ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورٍ يَهْتَدِي بِهِ إِلَى طَرِيقِ مَرْضَاتِهِ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ ابْن الْمُهَلَّبِ السَّائِحُ: رَأَيْتُ بَيْنَ الثَّعْلَبِيَةِ وَالْخُزَيْمِيَّةِ غُلامًا قَائِمًا يُصَلِّي قَدِ انْقَطَعَ
عَنِ النَّاسِ فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى قَطَعَ صَلاتَهُ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ مَا مَعَكَ مُؤْنِسٌ قَالَ بَلَى قُلْتُ وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ أَمَامِي وَمَعِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَفَوْقِي
فَعَلِمْتُ أَنَّ عِنْدَهُ مَعْرِفَةٌ
فَقُلْتُ أَمَا مَعَكَ زَادٌ؟ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ الإِخْلاصُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالتَّوْحِيدُ لَهُ وَالإِقْرَارُ بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِيمَانٌ صَادِقٌ وَتَوَكُّلٌ وَاثِقٌ
قُلْتُ هَلْ لَكَ فِي مُرَافَقَتِي؟ قَالَ الرَّفِيقُ يُشْغِلُ عَنِ اللَّهِ وَلا أُحِبُّ أَنْ أُرَافِقَ أَحَدًا فَأَشْتَغِلُ بِهِ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ
قُلْتُ أَمَا تَسْتَوْحِشُ فِي هَذِهِ الْبَرِيَّةِ وَحْدَكَ؟ فَقَالَ إِنَّ الأُنْسَ بِاللَّهِ قَطَعَ عَنِّي كُلَّ وَحْشَةٍ حَتَّى لَوْ كُنْتُ بَيْنَ السِّبَاعِ مَا خِفْتُهَا وَلا اسْتَوْحَشْتُ مِنْهَا
قُلْتُ فَمِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ الَّذِي غَذَّانِي فِي ظُلَمِ الأَرْحَامِ صَغِيرًا قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِي كَبِيرًا