قال الإمام القرطبي ما ملخصه: «أمر الله - تعالى - النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك.
فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب .. وقال سعيد بن جبير والأوزاعى: الوجه والكفان والثياب .. وقال ابن عباس وقتادة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب ..
ونحو هذا، فمباح أن تبديه لكل من ظهر عليها من الناس.
وقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية، بأن المرأة مأمورة بأن لا تبدى، وأن لا تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر، بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، «فما ظهر» على هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.
قلت: أي القرطبي: وهذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما، عادة وعبادة، صح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما.
يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة، أن أسماء بنت أبى بكر، دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» .
وقال بعض علمائنا: «إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك» .
هذا، وفي هذه المسألة كلام كثير للعلماء فارجع إليه إن شئت.
وإلى هنا ترى السورة الكريمة قد نهت عن الزنا، ووضعت في طريقه السدود الوقائية والنفسية. حيث حرمت الاختلاط، وأمرت بالاستئذان، وبغض البصر، وبحفظ الفرج، وبعدم التبرج، وبالإكثار من التوبة إلى الله - تعالى -.
ثم أتت بعد ذلك بالعلاج الإيجابى، الذي من شأنه أن يصرف الإنسان عن فاحشة الزنا المحرمة، لأنه سيجد فيما أحله الله - تعالى - ما يغنيه عنها، وذلك عن طريق الأمر بتيسير الزواج، والحض عليه. قال - تعالى:
(وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ...(32) . انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 10/ 114 - 120} ...