قال عدي بن حاتم: «أتيتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفي عنقي صليب من ذهب وهو يقرأ سورة براءة، فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك «فطرحته، ثم انتهى إلى قوله: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} فقلت: إنّا لنسا نعبدهم، فقال: «أَلَيْسَ يحرِّمون مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ ويُحلون ما حرَّم اللهُ؛ فَتَسْتحلُّونَهُ؟
«قال قلت: بلى، قال: «فَتِلْكَ عبادتُهُمْ» .
وقال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟
قال: إنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالفُ أقوال الأحبار والرهبان؛ فكانوا يأخذون بأقوالهم ويتركون حكم كتابِ الله تعالى.
«فَإِنْ قِيلَ» : إنَّه تعالى لمَّا كفرهم بسبب طاعتهم للأحبار والرُّهبان، فالفاسقُ يطيع الشيطانَ؛ فوجب الحكم بكفره على ما هو قول الخوارجِ؟
فالجَوابُ: أنَّ الفاسق إن كان يطيع الشيطان إلاَّ أنَّه لا يُعظِّمه، لكنه يلعنه، فظهر الفرق.
«فَإِنْ قِيلَ» : ظاهر قوله {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ} يقتضي كونه غالباً لجميع الأديان، وليس الأمر كذلك، فإن الإسلام لم يصر غالباً لسائر الأديان في أرض الهند والصين وسائر أراضي الكفرة؟
فالجَوابُ من وجوه:
أحدها: قال ابن عباسٍ «الهاءُ في» لِيُظهِرَهُ «عائدة إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: ليعلمه شرائع الدِّين كلها، فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء » .
وثانيها: قال أبو هريرة والضحاك: هذا وعدٌ من الله تعالى بأنه يجعل الإسلام عالياً على جميع الأديان وتمام هذا يحصلُ عند خروج عيسى عليه الصَّلاة والسَّلامُ.
وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في نزول عيسى قال: «ويهلكُ في زمانِهِ الملل كُلُّهَا إلاَّ الإسلام» .