وكانت العرب تسمّي الأرض أمّا، لأنها مبتدأ الخلق، وإليها مرجعهم، ومنها أقواتهم، وفيها كفايتهم.
وقال أميّة بن أبي الصّلت:
والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد
وقال يذكرها:
منها خلقنا وكانت أمّنا خلقت ... ونحن أبناؤها لو أننا شكر
هي القرار فما نبغي بها بدلا ... ما أرحم الأرض إلا أنّنا كفر
وقال الله تعالى في الكافر: (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) لمّا كانت الأمّ كافلة الولد وغاذيته، ومأواه ومربّيته، وكانت النار للكافر كذلك - جعلها أمّه.
وقال في أزواج النبي، صلّى الله عليه وسلم: (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) [سورة الأحزاب: 6] ، أي: كأمهاتهم في الحرمات.
وفي (التوراة) (إنّ الله برّك اليوم السابع وطهّره، من أجل أنه استراح فيه من خليقته التي خلق) .
وأصل الاستراحة: أن تكون في معاناة شيء ينصبك ويتعبك، فتستريح.
ثم ينتقل ذلك فتصير الاستراحة بمعنى: الفراغ. تقول في الكلام: استرحنا من حاجتك وأمرنا بها. تريد فرغنا، والفراغ، أيضا يكون من الناس بعد شغل.
ثم قد ينتقل ذلك فيصير في معنى القصد للشيء ، تقول: لئن فرغت لك، أي قصدت قصدك.
(وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ...(61)
أي يقبل كلّ ما بلغه. والأصل: أن الأذن هي السامعة، فقيل لكل من صدّق بكلّ خبر يسمعه: أذن، ومنه يقال: آذنتك بالأمر فأذنت، كما تقول: أعلمتك فعلمت، إنما هو أوقعته في أذنك.
يقول الله عزّ وجلّ: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [سورة البقرة: 279] أي اعلموا، ومن قرأها (فآذنوا) أراد فأعلموا.
ومنه ما قالت الشعراء:
آذنتنا ببينها أسماء ومنه الأذان إنما هو إعلام الناس وقت الصلاة.
وقوله: (وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي إعلام.