قِيلَ: يُحْتَمَلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مُرَادًا بِهَا الْكُنُوزُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ} [التوبة: 34] الْكُنُوزَ {وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] لِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ هِيَ الْكُنُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ اسْتَغْنَى بِالْخَبَرِ عَنْ إِحْدَاهُمَا فِي عَائِدِ ذِكْرِهِمَا مِنَ الْخَبَرِ عَنِ الْأُخْرَى، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ الْأُخْرَى مِثْلُ الْخَبَرِ عَنْهَا. وَذَلِكَ كَثِيرٌ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر المنسرح]
[ص:436] نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْي مُخْتَلِفُ
فَقَالَ: رَاضٍ، وَلَمْ يَقُلْ: رَاضُونَ. وَقَالَ الْآخَرُ:
[البحر الخفيف]
إِنَّ شَرْحَ الشَّبَابِ وَالشَّعَرَ الْأَسْـ ... وَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونًا
فَقَالَ: يُعَاصَ، وَلَمْ يَقُلْ: يُعَاصَيَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] وَلَمْ يَقُلْ: إِلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي ذَكَرْتَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِهَا إِخْرَاجُ كِنَايَةِ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ بِالْهَاءِ دُونَ النُّونِ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
أَصْبَحْنَ فِي قُرْحَ وَفِي دَارَاتِهَا ... سَبْعَ لَيَالٍ غَيْرَ مَعْلُوفَاتِهَا