وَلَمْ يَقُلْ: مُعْلُوفَاتِهِنَّ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ السَّبْعِ؟
قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَلَيْسَ الْأَصَحَّ الْأَعْرَفَ فِي كَلَامِهَا، وَتَوْجِيهُ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَفْصَحِ الْأَعْرَفِ أَوْلَى مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْأَنْكَرِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا لَنَا ظُلْمُ أَنْفُسِنَا فِي غَيْرِهِنَّ مِنْ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ؟
قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْنَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَظَّمَ حُرْمَةَ هَؤُلَاءِ الْأَشْهُرِ وَشَرَفَهُنَّ عَلَى سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ، فَخَصَّ الذَّنْبَ فِيهِنَّ بِالتَّعْظِيمِ كَمَا خَصَّهُنَّ بِالتَّشْرِيفِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ كُلِّهَا بِقَوْلِهِ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] وَلَمْ يُبِحْ تَرْكَ
الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِنَّ بِأَمْرِهِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ زَادَهَا تَعْظِيمًا وَعَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا تَوْكِيدًا وَفِي تَضْيِيعِهَا تَشْدِيدًا، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] .
قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}