ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} [الأنعام: 7] ؛ أي: قوله: {مَّا يَلْبِسُونَ} الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنعام: 7] ، بالإعراض عن الحق {إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الأنعام: 7] ؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تمادياً في الباطل وإنكاراً على الحق، {وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام: 8] ، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأَمْرُ} [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان.
ولهذا قال: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً} [الأنعام: 9] ، يخاطبكم وتخاطبونه، {لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} [الأنعام: 9] ، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفاً على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}