توفي عبد الله بن أبي كبير المنافقين. فكفنه النبي فِي ثوبه وأراد أن يستغفر له ويصلي الله عليه , فقال عمر رضي:"اتصلي عليه وقد نهاك ربك؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"انما خيرني ربي فقال (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة) وسأزيده على السبعين"وصلى عليه , فانزل الله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) . سورة التوبة, فترك الصلاة عليهم - اقرأ هذه القصة الثابتة برواية الصحيحين وانظر ماذا ترى؟ - انها لتمثيل لك نفس هذا العبد الخاضع وقد اتخذ من القرآن دستورا يستملي أحكامه من نصوصه الحرفية , وتمثل لك قلب هذا البشر الرحيم وقد آنس من ظاهر النص الأول تخييرا له بين طريقين فسرعان ما سلك أقربهما إلى الكرم والرحمة , ولم يلجا إلى الطريق الآخر إلا بعد ما جاءه النص الصريح بالمنع. وهكذا كلما درست مواقف الرسول من القرآن فِي هذه المواطن أو غيرها تجلى لك فيه معنى العبودية الخاضعة ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة , وتجلى"
لك فِي مقابل ذلك من جانب القرآن. معنى القوة التي لا تتحكم فيها البواعث والأغراض بل تصدع بالبيان فرقانا بين الحق والباطل , وميزانا للخبيث والطيب , أحب الناس أم كرهوا , رضوا أم سخطوا , آمنوا أم كفروا إذ لا تزيدها طاعة الطائعين ولا تنقصها معصية العاصين. فترى بين المقامين ما بينهما. وشتان بين سيد ومسود. وعابد ومعبود.
ولقد كان يجيئه الأمر أحيانا بالقول المجمل أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد. قل لي بربك: أي عاقل توحي إليه نفسه كلاما لا يفهم هو معناه , وتأمره أمرا لا يعقل هو حكمته؟ أليس ذلك من الأدلة الواضحة على انه ناقل لا قائل , وانه مأمور لا آمر.