ولو أننا افترضناه افتراضا لما عرفنا له تعليلا معقولا ولا شبه معقولا اللهم الا شيئا واحدا قد يحيك فِي صدر الجاهل , وهو أن يكون هذا الزعيم قد رأى أن فِي (( نسبة القرآن إلى الوحي الإلهي ) )ما يعينه على استصلاح الناس باستيجاب طاعته عليهم ونفاذ أمره فيهم , لأن تلك تجعل لقوله من الحرمة والتعظيم ما لا يكون له لو نسبه إلى نفسه.
وهذا قياس فاسد فِي ذاته , فاسد فِي أساسه .
أما انه فاسد فِي ذاته فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه والكلام المنسوب إلى الله تعالى فلم تكن نسبته ما نسبه إلى نفسه بناقصة من لزوم طاعته شيئا , ولا نسبة إلى ربه بزائدة فيها شيئا , بل استوجب على الناس طاعته فيهما على السواء فكانت حرمتها فِي النفوس على سواء , وكانت طاعته من طاعة الله , ومعصيته من معصية الله فهلا جعل كل أقواله من كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوهم .
وأما فساد هذا القياس من أساسه فلأنه مبني على افتراض باطل , وهو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون فِي الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه وذلك أمر يأباه علينا الواقع التاريخي كل الإباء فان من تتبع سيرته الشريفة فِي حركاته وسكناته , وعباراته وإشاراته , فِي رضاه وغضبه, فِي خلوته وجلوته لا يشك فِي انه كان ابعد الناس عن المداجاة والمواربة , وان سره وعلانيته كانا سواء فِي دقة الصدق وصرامة الحق فِي جليل الشؤون وحقيرها , وان ذلك كان اخص شمائله وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها كما شهد ويشهد به أصدقائه وأعدائه إلى يومنا هذا (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) سورة يونس.