وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله فِي نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيها بقي القرآن محفوظا فِي حرز حريز , انجازا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) سورة الحجر , ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند , حيث لم يتكفل الله بحفظها , وبل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى: (والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله) سورة المائدة - أي بما طلب إليهم حفظه - والسر فِي هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت
لا التأييد ، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها ، فكان جامعا لما فيها من الحقائق الثابتة ، زائدا عليها بما شاء الله زيادته ، وكان سادا مسدها ولم يكن شيء منها ليسد مسده ، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة وإذا قضى الله أمرا يسر له أسبابه ، وهو الحكيم العليم .
ولما كان القرآن بهذا المعنى الأسمى جزئيا حقيقيا كان من المتعذر تحديده بالتعاريف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص . وذلك شأن كل الجزئيات الحقيقية لا يمكن تحديدها بهذا الوجه ، لأن أجزاء التعاريف المنطقية كليات ، والكلى لا يطابق الجزئي مفهوما ، لأنه يقبل الإنطباق على كل ما يفرض مماثلا له فِي ذلك الوصف ذهنا وإن لم يوجد فِي الواقع فلا يكون مميزا له عن جميع ماعداه ، فلا يكون حدا صحيحا .
وإنما يحدد الجزئي بالإشارة إليه حاضرا فِي الحس , أو معهودا فِي الذهن .
فإذا أردت تعريف القرآن تعريفا تحديديا فلا سبيل لذلك إلا بأن تشير إليه مكتوبا فِي المصحف أو مقروءا باللسان فتقول: هو ما بين هاتين الدفتين أو تقول . هو (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى . من الجنة والناس) .