جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه ) )اختلف العلماء في تخريج هذا الحديث مع الآية. فقال قوم: معناه أن يوصي الميت به فيعذب حب بفعل نفسه ولا بفعل غيره. هو قول أهل الظاهر وأنكروا قول عائشة رضي الله تعالى عنها في حملها الحديث على ظاهره وإنكارها على ابن عمر روايته حتى قالت: رحم الله أبا عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، الحديث. وأخذوا بقول عمر وابن عمر إن الميت يعذب بما ينح عليه وتأولوه على ما ذكرناه. وقال قوم: معناه أن يمدح الميت بالبكاء عليه كما كان يمدح به في الجاهلية من الفتكات والغارات والغدرات وغير ذلك من الأفعال التي هي عند الله تعالى ذنوب فيعذب هو من أجلها. وقال قوم: معناه أن الميت يتعذب ويتحزن ببكاء أهله عليه ويسوؤه إتيانهم بما يكرهه الله تعالى. فهذه النعوت على هذا القول إنما هو التعذيب من الباكي عليه لا من الله تعالى. وذهب قوم إلى حمل الحديث على ظاهره من أن الميت يعذب ببكاء الحي عليه وأنكروا روايته. وذهبوا إلى أنه لا يعذب أحد بفعل غيره وأن الميت لا يعذب ببكاء أهله عليه وهو قول ابن عباس وإليه ذهبت عائشة وأنكرت الحديث المروي في ذلك واحتجت بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وجاء عنها رضي الله تعالى عنها حديثان في إنكار ذلك أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال: (( إن الله تعالى يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه ) )والثاني أنها قالت: إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: (( إنهم ليبكون
عليها وأنها لتعذب في قبرها )) وفي حديث آخر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنه لا يعذب بخطيئته وذنبه وأن أهله ليبكون عليه ) )ويبقى الحديث الأول الذي ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها الاعتراض الذي اعترضته هي في حديث ابن عمر بأن الكافر أيضًا لم يعذب بفعل غيره والجواب عنه إنما يعذب باستجابه لذلك لا بذنب غيره. وإذا كان هذا التأويل في الكافر فكذلك يكون في المؤمن ولا ينكر الحديث.