الوجه الثاني: أنه لا يوصف بأنه واجد له وإن كان موجودًا، كمن معه ماء وهو يخاف على نفسه العطش فإنه يجوز له التيمم وهو واجد للماء، فالناسي أبعد من الوجود لتعذر وصوله إلى استعماله.
ثانيًا: من المعقول:
1 -أن الناسي للماء قد نسي ما لا ينسى عادة؛ لأن الماء من أعز الأشياء في السفر؛ لكونه سببًا لصيانة نفسه عن الهلاك، فكان القلب متعلقًا به، فالتحق النسيان فيه بالعدم.
المناقشة:
نوقش بأنه استدلال غير صحيح؛ لأن النسيان جبلة في البشر، خصوصًا إذا مرَّ به أمر يشغله عما وراءه، والسفر محل المشقات، ومكان المخاوف، فنسيان الأشياء فيه غير نادر.
2 -أن الرحل موضع الماء غالبًا؛ لحاجة المسافر إليه، فكان الطلب واجبًا كما في العمران.
المناقشة:
نوقش بأنه ليس كذلك؛ لأن الغالب في الماء الموضوع في الرحل هو النفاد لقلته، فلا يكون بقاؤه غالبًا، فيتحقق العجز ظاهرًا بخلاف العمران لأنه لا يخلو عن الماء غالبًا.
3 -لأن الطهارة بالماء شرط من شروط الصلاة، فلم يسقط بالنسيان كستر العورة، وغسل بعض الأعضاء، وكمريض صلى قاعدًا - متوهمًا عجزه عن القيام - وكان قادرًا، وكحاكم نسي النص فحكم بالقياس، وكمن نسي الرقبة في الكفارة فصام، وكمن كان الماء في إناء على كتفه فنسيه وتيمم وصلى فإنه يعيد بالاتفاق.
المناقشة:
نوقش هذا الدليل من خمسة وجوه:
الوجه الأول: أن النسيان بمجرده لا يؤثر في سقوط الفرض، وإنما يؤثر مع انضمام معنى آخر إليه فيصيران عذرًا في سقوط الفرض، كالسفر الذي هو حال عدم الماء فإذا انضم إليه النسيان فإنهما يصيران عذرين في سقوط الفرض، وأما نسيان الطهارة والصلاة وستر العورة ونحو ذلك فلم ينضم إلى النسيان في ذلك معنى آخر حتى يصير عذرًا في سقوط هذه الفرائض.