قد تقدم أن الفروض المذكورة في هذه الآية أربعة، وهي: غسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، وقد تقدم استدلال الشافعي بهذه الآية على وجوب النية في الوضوء، فصارت فرضًا خامسًا، وذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى وجوب الترتيب في الوضوء، وهو أن يغسل الأعضاء في الوضوء على الولاء كما ذكره الله تعالى في هذه الآية، فيغسل وجهه أولًا، ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، فصار الترتيب فرضًا سادسًا. وذهب أبو حنيفة إلى أن الترتيب في الوضوء غير واجب، واحتج الشافعي على وجوب الترتيب بهذه الآية، وذلك أن الله تعالى أمر بغسل الوجه، ثم بغسل اليدين، ثم بمسح الرأس، ثم بغسل الرجلين، فوجب أن يقع الفعل مرتبًا كما أمر الله تعالى، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث حجة الوداع"أبدأ بما بدأ الله به". وهذا الحديث وإن ورد في قصة السعي بين الصفا والمروة، فإنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوضوء ما وردت إلا مرتبة، كما ورد في نص الآية، ولم ينقل عنه ولا عن غيره من الصحابة أنه توضأ منكسًا أو غير مرتب، فثبت أن ترتيب أفعال الوضوء كما أمر الله تعالى ونص عليه في هذه الآية واجب، واحتج أبو حنيفة لمذهبه بهذه الآية أيضًا وذلك: أن الواو لا تفيد الترتيب، فإذا قلنا بوجوب الترتيب صار ذلك زيادة على النص، وذلك غير جائز. وأجيب عنه بأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ إلا مرتبًا كما ذكر، وبيان الكتاب إنَّما يؤخذ من السنة.
فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في صفة الوضوء وفضله عن حمران مولى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال:"من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه .. غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه.