السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْآثَارِ الصِّحَاحِ الْوَارِدَةِ فِي مَسْحِهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِنَّمَا كَانَتْ فِي السَّفَرِ ، مَعَ أَنَّ السَّفَرَ مُشْعِرٌ بِالرُّخْصَةِ
وَالتَّخْفِيفَ ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ ; فَإِنَّ نَزْعَهُ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى الْمُسَافِرِ"انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ ."
وَيَرُدُّ حُجَّةَ الْمُفَرِّقِينَ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ فِي التَّوْقِيتِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ وَمُوَافَقَةُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ لِمَسْحِ الْعِمَامَةِ وَلِحِكْمَةِ التَّشْرِيعِ ، وَيُؤَيِّدُهَا اشْتِرَاطُ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةٍ ، وَسَيَأْتِي .
وَنَقَلَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ إِثْبَاتَ الْمَسْحِ فِي السُّنَّةِ ، وَتَوَاتُرَهُ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَاتِّفَاقَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ عَلَيْهِ ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِهِ مُطْلَقًا ، أَوْ لِلْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ ، وَعَنِ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطِ ، أَنَّ مَالِكًا إِنَّمَا كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مَعَ إِفْتَائِهِ بِالْجَوَازِ .
ثُمَّ قَالَ: وَذَهَبَتِ الْعِتْرَةُ جَمِيعًا ، وَالْإِمَامِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِآيَةِ الْمَائِدَةِ ، وَبُقُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ عَلَّمَهُ:"وَاغْسِلْ رِجْلَكَ"وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَسْحَ ، وَقَوْلِهِ بَعْدَ غَسْلِهِمَا:"لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ بِدُونِهِ"قَالُوا: وَالْأَخْبَارُ بِمَسْحِ الْخُفَّيْنِ مَنْسُوخَةٌ بِالْمَائِدَةِ ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ .