وكان قابيل صاحب حرث، وقربانه شرّ شيء من شرّ زرعه، وهابيل كان راعي غنم، وقربانه كان حملا سمينا ولبنا وزبدا. وقيل: الكبش العظيم الذي فداه ابن إبراهيم عليهما السّلام به هو ذلك الحمل الذي كان تقرّب به هابيل.
وعن الحسن والضّحّاك أنّ ابني آدم رجلان من بني إسرائيل نسبهما إلى أبيهما الأعلى كما نسبنا إليه وقال: {يا بَنِي آدَمَ} [الأعراف:26] .
{قالَ} قابيل: {لَأَقْتُلَنَّكَ:} وهو يدلّ على قسم مضمر، {قالَ} هابيل: {إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ} من الذين يتّقون مخالفة الله تعالى في التّزويج.
28 - {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ:} قال هابيل.
وإنّما لم يبسط إليه يده؛ لأنّه توعّده بالقتل ولم يقاتله جهرا، فأخبره بذلك ليستحيله بذلك ويدعوه إلى السّلم وينبّهه على عظم وبال القتل، وقيل: إنّهم كانوا (95 و) متعبّدين بترك الدّفع.
29 - {بِإِثْمِي:} أي: بإثم قتلي.
{وَإِثْمِكَ:} أي: وإثم ما ارتكبته وعصيان في التّزويج.
والإثم ههنا وبال الفجور، فلا إثم عليه: فلا وبال عليه.
30 - {فَطَوَّعَتْ لَهُ:} أي: جعلت القتل فعلا متأتّيا سهلا طوعا.
{فَأَصْبَحَ:} صار وكان {مِنَ الْخاسِرِينَ:} المغبونين بذهاب الدنيا والآخرة.
روي أنّ آدم عليه السّلام دعا عليه وقال: كن خائفا لا يلقاك أحد إلاّ خفته، فصار يفرّ ويتوحّش وكلّ من رآه رماه بحجر حتى قتله بعض ولد ولده.
وعن عليّ بن الحسن بن عليّ قال: أوّل دم وقع على الأرض دم حوّاء من حيضها.
وقتل يومئذ سدس النّاس، يعني هابيل؛ لأنّه كان أحد السّتّة من أبويه وأخيه وأختيه، وكأنّه لم يكن لآدم عليه السّلام يومئذ ولد غيرهم. قال: ووكّل بقابيل ملكان يطلعان به مع الشّمس ويغربان به مع الشّمس وينضحانه بالماء الحارّ إلى يوم القيامة.
31 - {فَبَعَثَ اللهُ غُراباً:} قال: إنّ الله تعالى بعث غرابين وقيّض أحدهما ليقتل الآخر، فقتله ثمّ واراه في التّراب.
و (البحث) : رفع ظاهر الأرض لكشف باطنها.
{لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ:} ليدلّه وينبّهه على قبر أخيه فإنّه لم يقبر أحد قبل هابيل، عن ابن عبّاس أنّه بقي معه سنة، وعن مجاهد أنّه بقي معه مئة سنة، وقيل: مئة يوم لا يدري ما يصنع به وكيف يخفيه. وإن أجرينا على قول الحسن والضّحّاك فمعناه: ليذكر قتل أخيه، فإنّه تحيّر ودهش ونسي القبر، والأوّل أصحّ.