يطعمهم المنّ والسلوى بكل راحة وهدوء، ينزل من السماء، لا يتعبون في تجهيزه ولا في إخراجه ولا جمعه ولا شيء، طعامٌ جميل، وشرابٌ غذاءٌ شفاءٌ عظيم، ومع ذلك سئموا من الخير العظيم، ملت نفوسهم من هذا النعيم، فلم يطلبوا تغييره بل طلبوا أدنى منه:"وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ" [البقرة: 61] كان يمكن أن يقولوا مما تنزِّل السماء، فيطلبون من أعلى -أيضًا-، لكن نظرتهم تحت التراب، تحت الطين، هذه نظرتهم قصيرة ودانية، يخرج لنا مما تنبت الأرض من تفاحها ولؤلؤها ومرجانها ودررها، الأرض فيها كنوز عظيمة جداً، ولكن انظر ماذا طلبوا مما تنبت الأرض"مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا" [البقرة: 61] ؛ أشياء يعني لو زرعها أي إنسان في أي مكان تخرج بإذن الله، أنت تستطيع أن تفعلها وهو يستطيع أن يفعلها .. وهذا .. وهذا، ما تحتاج إلى سؤال من رب عظيم،"مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا" [البقرة: 61] قثاء وفول وعدس وبصل، ما هذا؟! أتطلب من الله العظيم فولاً وبصلاً وثوماً؟! هذه نظرة ساقطة جداً، نظرة قصيرة دانية، ليس فيها سمو، كذلك يقول أحفادهم مع سيدنا عيسى عليه السلام:"هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً" [المائدة: 112] بالله عليك لو أتيحت لك فرصة أن تجلس مع معالي الوزير أو معالي الرئيس، أتطلب منه شقة سندوتش!! إنك تهينه بهذا، فإن قدراته وإمكاناته أكبر من ذلك، اطلب شقة في مكان فاخر، اطلب شقة سكن في مدينة جديدة؛ فإنه يقدر أن يعطيك وأن يهبك، يملك من الصلاحيات القانونية أن يعطيك هذا، لكن تطلب منه طلباً صغيراً كهذا، تستطيع أن تحصل عليه بمنتهى اليسر، فكأنك تستهين بشخصه، وتستهين بمكانه، ولله المثل الأعلى، يطلبون من الله ويطلبون شيئاً كهذا، مائدة من السماء، هذا كان سؤالهم سؤالاً ليس محموداً.