اقرءوا في هذه السورة قصة ولدي آدم، واطلب من نفسك أن تكون مسامحة، واطلب من نفسك أن تكون راضية، وانظر ماذا قال ولد آدم الطيب الذي هو هابيل عليه رحمة الله، يقول:"لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ" [المائدة: 28] ؛ لو ضربتني لن أضربك، لن أرد السيئة بالسيئة، ولكن:"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ" [المؤمنون: 96] ؛ يعني: ادفع السيئة بالتي هي أحسن، فقدم المطلوب وأخَّر المدفوع، قال:"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ" [المؤمنون: 96] ، وفي الآية الأخرى:"ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" [فصلت: 34] ، آثارها طيبة، ومع ذلك قتله، نعم فقد الحياة ولكن حي عند ربه، ذهب إلى ربٍ كريم، خيره عظيم، وحياة فاضلة أفضل من حياة الدنيا، ذهب إلى ربه وهو راضٍ عنه، في حالة قبول قربانه، نعم الوفاء، حسن الختام، أحسن الله ختامنا جميعاً، بينما مات أخوه القاتل بأجله وقبل أن يموت وبعد أن مات وإلى قيام الساعة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ» [17] ، تخيل كل نفس تقتل في الجرائم الكبيرة في هذه الأيام، مدافن جماعية، وجرائم جماعية، وقتل جماعي بيد الظالمين في كل زمان وفي كل عصر، هذا كله في ميزان سيئات قابيل؛ لأنه أول إنسان قتل، فعلَّم أولاده القتل، تعلموا منه وإن لم يعلمهم، أخذوا طريقه.
قصة في منتهى الروعة، في منتهى الجمال، مع إيجازها وقصرها، وتعلم من ذلك حكمة أن الله حرّم القتل، لماذا حرم الله القتل؟"مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ..." [المائدة: 32] إلى آخر هذه الآيات.