من الأواخر ولكن ليست هي الأخيرة المطلقة؛ ولذلك تجد هذه السورة المباركة -سورة المائدة- تجدها نازلةً بعد الهجرة على فترةٍ من الزمان، يعني استغرق نزولها عدة سنوات، وهذا شأن السور الطوال، يفتتح الله السورة ثم ينزل منها آياتٍ فآياتٍ فآيات حتى تُختم بعد سنوات، حدث هذا لسورة البقرة - كما علمنا- وسورة آل عمران، وهذه المائدة، وكذلك كانت سورة النساء، فاستغرق نزولها سنوات، والصحابة -رضي الله عنهم- ما كانوا يهتمون بالتاريخ قدر ما يهتمون أن يقرءوا السورة الجديدة التي نزلت، والآيات التي أنزلت اليوم، وأن يتعلموها، ويعرفوا معناها، وأن يعملوا بأحكامها، كان هذا هو جُلَّ اهتمامهم، فلم يدققوا متى نزلت هذه الآية بالتحديد، ومتى نزلت هذه السورة بالضبط، وجدوا أن هذا يُستغنى عنه، لكن الذي لا يُستغنى عنه المعرفة الصحيحة الواقعية للقرآن الكريم، أنْ أعرف ماذا يريد الله مني في هذه الآية؟ وماذا يريد مني في هذه السورة؟ وهكذا حتى أعمل بما أراد الله.
فسورتنا -سورة المائدة- سورة مدنية بالإجماع؛ لم ينازع أحد من العلماء في ذلك، مدنية نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن تنوع نزولها في أماكن عدة وتباعد نزولها في سنوات مديدة.
سورتنا تحدثت عن موضوعات كثيرة، ويُجملها اللفظ الأول فيها الذي قاله الله تعالى:"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" [المائدة: 1] ؛ فهي مشتملة على عقود كثيرة، تعاقد الله بها مع الفئة المؤمنة، ومع الأمة المسلمة التي قبلت الإيمان بالله، طالما رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، إذًا ينبغي عليَّ أنْ أقبل تفاصيل الإسلام، وأنْ ألتزم بأحكام الإسلام، وإيماني بالله وثقتي في صدق وأمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجبان عليَّ أن ألتزم، وإن لم أفهم، أن أعمل، وإن لم أتعلم الحكمة، لماذا كلفنا الله بكذا؟ لماذا أراد الله كذا؟ لماذا نفعل كذا؟