وفيه إشارة أخرى: إنا أوحينا إليك في سر {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] ، أفردناك عن جميعهم {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} [النساء: 164] ؛ أي: ليلة المعراج فيما أوحى إليك قصص جميع الرسل، {وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164] في القرآن بأسمائهم وأحوالهم مفصلة، {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء: 164] ؛ يعني: كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده أوحينا إليك، وكلمناك كما كلمنا موسى مع اختصاصه بالكلمة عن غيره إلا عنك؛ فكانوا جميعاً {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ} [النساء: 165] بالجنة ونعيمها، {وَمُنذِرِينَ} [النساء: 165] من النار وجحيمها، فلك اشتراك معهم بهذه البشرى والإنذار في الجنة والنار، وانفرد بالتبشير بالوصول إلى الله والإنذار من الانقطاع عن الله تعالى، كقوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} [الفتح: 8] ، {وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ} [الأحزاب: 46] ؛ يعني: لتدعوهم إلى الله بالانقطاع عن غيره للوصلة إليه بالتبشير بالوصول، والإنذار عن الانقطاع، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ} [النساء: 165] ؛ أي: للناس {عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، المذكورين لهم بالعهود السابقة والنعم السابقة، بأن يقولوا: إنا نسينا تلك العهود التي جرت بيننا يوم الميثاق، فإن الرسل يذكرونهم، كقوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: 5] ، وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: 21] ، وأيضاً {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ} [النساء: 165] في الانقطاع عن الله، وعن عبوديته بأن يقولوا: كنا مشتاقين إلى لقائك ومحتاجين إلى نعمائك، ولكن لم يكن لنا دليل يدلنا إليك وبياناً عما لديك يبشرنا بك وبما عندك ويطعمنا بالوصول إليك وبما عندك، وينذرنا ويخوفنا عن الانقطاع عنك والحرمان