ثم أخبر عن الإيمان الحقيقي دون التقليدي وعلم أهل الإيمان بقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ ِالَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136] ؛ فمعناه من آمن بالتقليد ظاهراً ينبغي له بالتحقيق والتصديق باطناً، وبالقول ظاهراً أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما نطق به الكتب والرسل من الوعد والوعيد، والبعث النشور والحساب، والميزان والصراط، والجنة وغير ذلك، يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 136] فقد أدرج جميع ما ذكرناه وجعلناه شرط الإيمان فيه، وحكم أن عدم الإيمان بهؤلاء كفر؛ يعني: عدم الإيمان بكل ما مر ذكره كفر.
ثم اعلم أن مراتب الإيمان ثلاث: مرتبة العوام، ومرتبة الخواص، ومرتبة الأخص، فمرتبة العوام في الإيمان: ما قاله صلى الله عليه وسلم:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار والقدر خيره وشره"؛ وهو إيمان غيبي، ومرتبة الخواص في الإيمان: هو عيان، وكان ذلك أن الله تعالى إذا تجلى بصفة من صفاته وخضع جميع أجزاء وجوده، وآمن بالكلية عياناً بعد ما كان يؤمن قلبه بالغيب، ونفسه تكفر بما آمن به قلبه، إذا كانت النفس عن تنسم روائح الغيب بمعزل، فلما تجلى الحق تعالى لحبل القلب {جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى} [الأعراف: 143] النفس، {صَعِقاً} [الأعراف: 143] ، فالنفس في هذا تكون بمنزلة موسى عليه السلام، {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] ، فافهم جيداً.