ثم أخبر عن قصد قتل المؤمن بالعمل بقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} [النساء: 93] ، والإشارة فيها: إن القلب مؤمن من أصل الفطرة، والنفس كافرة في أصل الخلقة، وبينهما عداوة جبلية وقتال أصلية وتضاد كلية، فإن في حياة النفس موت القلب، وفي حياة القلب موت النفس، فلما كان نفوس الكفار حية كانت قلوبهم ميتة، فسماهم الله تعالى الموتى، كما قال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، ولما كانت نفس الصديق رضي الله عنه ميتة وقلبه حياً، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر رضي الله عنه"، فالإشارة في قوله تعالى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} [النساء: 93] ؛ أي: القلب والنفس؛ يعني: النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية باستيلاء صفاتها البهيمية والسبعية والشيطانية على القلب الروحاني، وغلبت هواها عليه حتى يموت القلب، فإنها سمها القاتل، {فَجَزَآؤُهُ} [النساء: 93] ؛ أي: جزاء النفس {جَهَنَّمُ} [النساء: 93] ؛ وهي سفل عالم الطبيعة، {خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93] ؛ لأن خروج النفس عن سفل الطبيعة إنما كان بحبل الشريعة، والتمسك بحبل الشريعة إنما كان من خصائص القلب المؤمن بالله، كقوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [التين: 5 - 6] ، فالإيمان والعمل الصالح من شأن القلب وصنيعته، فإذا مات القلب وانقطع عمله تخلد النفس في جهنم سفل الطبيعة أبداً، {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [النساء: 93] ، بأن يبعدها ويطردها عن الحضرة والقربة، ويحرمها عن إيصال الخير والرحمة إليها بخطاب {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] ، {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93] ، عن حضرة العلي العظيم والحرمات عن جنات النعيم.