مِّنْهَا [آل عمران: 103] ، وقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83] ، لعل استثناء راجع إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنه كان قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم مرافقاً في طلب الحق، قالت عائشة - رضي الله عنها:"لم أعقل أبواي قط إلا وهما يدينان بدين الإسلام دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمر علينا يوماً إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم:"كنت وأبو بكر كفرسي رهان فسبقته فتبعني، ولو سبقني لتبعته"، والله أعلم.
وفي قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} [النساء: 84] ؛ المعنى: فجاهد في طلب الحق نفسك، فإن في طلب الحق لا تكلف نفس أخرى إلا نفسك، وفيه معنى آخر: لا تكلف نفس أخرى بالجهاد لأجل نفسك؛ لأن حجابك من نفسك لا من نفس أخرى، فدع نفسك وتعالى فإنك صاحب {يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً}
[الانفطار: 19] ؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم اختص بهذا المقام من جميع الأنبياء والمرسلين أن يكون فاني النفس، والذي يدل عليه أن الأنبياء - عليهم السلام - يوم القيامة يقولون لبقاء نفسهم: نفسي مفسي، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لفناء نفسه:"أمتي أمتي"، فافهم جيداً.
ثم قال تعالى: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 84] على القتال؛ يعني: في الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر، {عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [النساء: 84] ظاهراً وباطناً، فالظاهر الكفار، والباطن النفس، {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} [النساء: 84] ، في استبطاء سطوات صفات قهره عند تجلي صفة جلاله للنفس من بأس الكافر عليها.