أولها - في قوله تعالى (قَدْ جَاءَكُمُ) أي بعث هذا الرسول الأمين الكامل في معنى الرسالة وأدائها. قد جاءكم أيها الناس جميعا، فهي رسالة جاءت لصالحكم جميعا، أي لصالح البشرية كلها، لَا لجزء من أجزائها.
ثانيها - التعبير بقوله تعالى (بِالْحَقِّ) أي مقرونة بالحق مصاحبة له، متلبسة به، فهي حق ثابت مستقر موافق لفطرة البشر أجمعين، لَا يأتيه باطل قط، وما كان حقا ملائما لفطرة البشر لَا بد أن يكون عاما، شاملا لَا يختص بمكان، ولا بزمان، ولا بعصر من العصور.
ثالثها - قوله تعالى: (مِن رَبِّكُمْ) أي أن رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - جاءت من ربكم الذي خلقكم، وقام على أموركم الذي يعلم ما فيه نفعكم، وما فيه خيركم، ولا يرضى لعباده إلا النفع لعمومهم.
ولذلك كان الإيمان بهذه الرسالة والإذعان لها أمرا واجبا لمصلحة الناس أجمعين، فقال سبحانه:
(فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، وتقدير الكلام: إذا كان ذلك الرسول هو الكامل في رسالته التي جاءت بالحق تلازمه ويلازمها، وفيها مصلحة لكم لأنها من عند ربكم، فآمنوا خيرا لكم، أي فأذعنوا للحق وصدقوه، واعملوا به خيرا لكم. وهنا أمران لفظيان فيهما توضيح المعنى وكشف لبعض أسرار البلاغة القرآنية.
أولهما - في قوله"فآمنوا"فلم يقل آمنوا به، بل أطلق الإيمان للإشارة إلى أن الإخلاص وحده، وهو الإذعان للحق، وعدم التمرد عليه لسبق الإلحاد والإنكار - هو الذي يفتح القلوب للحق، وتصديق ما أنزله الله تعالى على رسوله الأمين - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيهما - قوله تعالى: (خَيْرًا لَّكُمْ) ونصبت كلمة"خيرا"وصفا لمحذوف تقديره آمنوا إيمانا هو خير لكم، أو مفعولا لمحذوف وتقديره آمنوا قاصدين خيرا لكم، ويصح أن تكون خبرا لكان المحذوفة في فعل شرط وجوابه، والمعنى إن تؤمنوا يكن خيرا لكم، وذلك مثل (كل امرئٍ مجزي بعمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر) .
ومهما يكن فإن النص الكريم يبين أن الإيمان فيه الخير المطلق؛ لأنه الحق، ولأنه من عند رب العالمين.