وَهَهُنَا عِبْرَةٌ يَجِبُ تَدَبُّرُهَا ، وَهِيَ أَنَّنِي لَمْ أَرَ فِي سِيرَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَغْرَبَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَا أَدَلَّ مِنْهَا عَلَى قُوَّةِ دِينِهِ ، وَإِيمَانِهِ بِالْقُرْآنِ ، وَحِرْصِهِ عَلَى بَيَانِ كُلِّ حُكْمٍ مِنَ الشَّرْعِ بِدَلِيلِهِ ، وَوُقُوفِهِ إِذَا لَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ الْحُجَّةُ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْقُرْآنِ فَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ ، وَقَدْ سُئِلَ مَرَّةً عَنِ الْكَلَالَةِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ: الْكَلَالَةُ ، الْكَلَالَةُ ، الْكَلَالَةُ ، وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَأَنْ أَعْلَمَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ شَيْءٍ ، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ:"أَلَمْ تَسْمَعِ الْآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي الصَّيْفِ ؟"فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، فَالظَّاهِرُ - إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَاتُ - أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُبَيِّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْكَامَ الْكَلَالَةِ بِالتَّفْصِيلِ ، فَيَسْأَلُهُ عَنِ الْكَلَالَةِ سُؤَالًا مُطْلَقًا مُبْهَمًا ، لَا يُبَيِّنُ مُرَادَهُ مِنْهُ ، فَيَذْكُرُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَلَا يَزِيدُهُ مِنِ اجْتِهَادِهِ شَيْئًا ، فَكَبُرَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي نَفْسِهِ ، وَصَارَتْ إِذَا ذُكِرَتْ تَهُولُهُ ، وَتُحْدِثُ فِي نَفْسِهِ اضْطِرَابًا ، فَلَا يَتَجَرَّأُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ