وبعد أَن أَكد التوحيد، نزه نفسه عن اتخاذ الولد بقوله:
(سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) :
أَي: تنزه الله تعالى - تنزيهًا عظيما: لا حدود له، عن أَن يكون له ولد؛ لأَن اتخاذ الولد دليل الضعف، وأَمارةُ الحدوث، وصفةُ العاجز المحتاج إِلى من يعينه في حياته، ويَخْلفُهُ بعد مماته، واللهّ عَزَّ وَجَلَّ تنزه عن ذلك، فقول النصارى: إِن عيسى ولد الله ليس شركا فقط، بل هو وصف لله - العلى القادر، المعبود الحق - بالعجز والضعف والحدوث.
ثم ذكر - تأْكيدًا لتنزيهه عن اتخاذ الولد - ما يدل على كمال قدرته، وتمام غناه فقال تعالى:
{لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ} :
أَي: لله سبحانه كل ما في السمَوَات من أَكوانٍ علوية: ما عرفناه منها وما لم نعرفه، وكذلك أَجرام السمَوَات، وله كل ما في الأَرض من أَجزائها، وما على ظهرها، وما في بطنها: خلقا وملكا وتدبيرا.
ومن كان مالكا لكل السمَوَات والأَرض ولكل ما فيهما، كان مالكا لعيسى ولمريم بل أَولى. إِذ هناك في الكون من هو أَعظم منهما، فكيف يعقل مع هذا توهم كون عيسى ولدا لله ومريم زوجة له؟!!
والمتأَمل يرى أَنه سبحانه، في كل موضع نزه فيه نفسه عن الولد - ذكر كونَهُ ملكا ومالكا لما في السمَوات والأَرض ليكون دليلًا عليه، إِذ المعنى: تَنَزَّه اللهُ عن أَن يكون له ولد؛ لأَن له ما في السماوات وما في الأَرض.
(وَكَفَى بِالله وَكِيلًا) :
أَي: إِن اللهَ سبحانه، كاف - وحده - في تدبير المخلوقات، وفي حفظ هذا الكون، فلا يحتاج إِلى ولد يعينه، ولا إِلى إِله آخر يدبر أَمر الكون معه.
(لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا(172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) ..
المفردات: