للتحقق من مصداقية المنقول، وللتحقق من صلاحيته للاستدلال به في تفسير الآية أو الآيات المحددة، ومن درجة دلالته، أي قطعي أو ظني. فهو أسلوب تفسير ينتهي برأي محدد يستند إلى أدلته من المأثور.
ثانيا - التفسير بالعقل يعني أن المفسر يقرأ الآيات بعناية ودقة، ويستخرج المعاني الموجودة فيها، مراعيا عدم الخروج عن المدلولات اللغوية التي تحتملها. وهذا لا يعني استبعاد المأثور قطعي الثبوت والدلالة، ولكن يُحكِّم العقل في حالة النص ظني الدلالة أو المتعارض مع نصوص أخرى، أو القواعد الإسلامية العامة، أو العقل أو الفطرة. فيستخدم العقل في استنتاج المعنى المقبول عقلا وفطرة، في مقابل النقل ظني الثبوت أو ظني الدلالة.
ثالثا - التفسير بغير علم أو بمجرد الرأي. فالتفسير بغير علم ينتهي غالبا بالتفسير الفاسد في بعض المواضيع، حتى مع المعرفة الجيدة للغة العربية. والتفسير بالرأي يؤدي -في الغالب- إلى ليِّ أعناق بعض الآيات، بدرجات متفاوتة، لتخدم رأي المفسر برأيه. وقد يخالف المأثور الثابت أو العقل عمدا، أو غفلة. ولهذا كان التفسير بغير علم أو بالرأي محرما في قوله، صلى الله عليه وسلم:"من قال في الْقرْآنِ بغَيْرِ علْمٍ فَليَتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ من النّارِ قال أبو عيسَى هذا حَديثٌ حسَنٌ صَحيحٌ."وفي رواية"ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار". [1]
ولعلي لا أنصح بعملية التصنيف هذه، لأن فيها تعميم قد لا ينطبق على كثير من الحالات الخاصة. فالباحث المنصف يأخذ بما ورد عن أبي هُرَيْرَة، رضي الله عنه، َ قال قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُمَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بها [2]
ومن المعلوم أن المعرفة، سواء أدرجناها تحت اسم"علم"أو"فن"أو أسلوب أو وسيلة معنوية فهي ذات خمسة أبعاد. [3] فالمعرفة قد تكون منخفضة المصداقية أو عالية المصداقية، وقد تكون شاملة أو عميقة ومفصلة، وقد تكون قليلة أو غزيرة، وقد تكون بسيطة أو معقدة، وقد تحتاج إلى مهارة خاصة للاستفادة منها أو لا تحتاج. كما أن أبعاد المعرفة درجات متفاوتة تتأرجح بين الدرجة العالية أو المنخفضة من المصداقية أو الشمولية، أو العمق، أو الغزارة أو من الحاجة إلى التدرب للاستفادة منها.
وما ينطبق على المعرفة ينطبق على التفسير. وقد يخطر في الذهن: ماذا عن درجة التدريب بالنسبة للتفسير؟ في الواقع، حتى هذا البعد ينطبق على التفسير، ولاسيما بالنسبة لتفسير آيات الأحكام التي تحتاج إلى مهارة استنتاج الأحكام الشرعية. إذ لا يكفي فيها معرفة قواعد الاستنباط وحفظها وترديدها، ولكن تحتاج إلى التدريب لاكتساب مهارة التطبيق.
وقد يكون التفسير نوعا من الوصف يتدرج من حيث القلة والغزارة، والوصف لأحداث مضت أو حاضرة عند نزول القرآن أو حاضرة إلى يومنا هذا، مثل الحقائق الكونية العامة والجزئية، أو مستقبلية. وقد يكون التفسير وصفا لحقائق كونية ثابتة أو متحركة. وقد يكون التفسير استنباطات من النصوص، وقد يكون استقراءات من مجموعة منها.
(1) الترمذي ج 5: 199؛ أبو داوود ج 4: 63.
(2) ابن ماجه جزء 2 صفحة 1395.
(3) صيني، قواعد أساسية في البحث العلمي، الفصل الأول.