فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 184

وقد يأخذ هذا التسليم الافتراضي صيغة التحدي السافر لإنهاء نقاش عقيم لا فائدة فيه مع خصم مراوغ عنيد ولكن ليؤثر على آخرين. ومثال ذلك قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} . [1]

العقلية العملية:

إن الأسلوب العقلي لا يقتصر على الأسلوب القولي كما رأينا في المثال السابق. فقد يأتي في صيغة عملية. ومن أمثلة ذلك:

1 -دليل مفحم: في الآية التالية يأخذ الحوار بين نبي الله إبراهيم عليه السلام وقومه صبغة عملية ليثبت بأن الآلهة التي يعبدونها لا تملك الدفاع حتى عن نفسها: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} . [2]

2 -العقد والحل: طريقة الحل التدريجي للمشكلة هي واحدة من الأساليب العقلية وقد يسميه علماء الأصول بالسبر والتقسيم حيث تكون هناك مشكلة وتكون هناك احتمالات متعددة لحلها. فيتم اختبار كل احتمال على حدة حتى يتم التوصل إلى الاحتمال المرجح. ولعل أبرز مثال لهذا الأسلوب العملي هو قصة إبراهيم عليه السلام وهو يتظاهر بالبحث أو يبحث عن ربه إذ يقول تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . [3]

3 -تحدي ثقافي: وعندما يكون الخصم ممن يعتز بميزة ثقافية معينة فالدليل يأتي في صيغة تحدي ثقافي ونجد هذا واضحا في تحدي قريش بالإتيان بمثل القرآن ولو بسورة مثله، إذ يقول تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . [4]

(1) آل عمران: 61.

(2) الأنبياء: 5765.

(3) الأنعام: 7679.

(4) يونس: 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت