فقال أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر [1] ، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
(( وعلى قومك؟ ) )قال: (( وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منه مطهرة [2] ، فقال: ردُّوها؛ فإن هؤلاء قوم ضماد ) ) [3] .
قال النووي رحمه الله عن حديث جابر - رضي الله عنه -، قوله: (( إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش ) )يستدل بهذا على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه: من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، وتحديده خَطْبًا جسيمًا ... ثم قال [و] (( فيه استحباب قول أما بعد في خطب: الوعظ، والجمعة، والعيد، وغيرها، وكذا في خطب الكتب المصنفة، وقد عقد البخاري بابًا في استحبابه وذكر فيه جملة من الأحاديث ... وقوله: (( كانت خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه ) )فيه دليل للشافعي - رضي الله عنه - أنه يجب حمد الله تعالى في الخطبة ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه )) [4] .
(1) ناعوس البحر: قيل: لجته، وقيل: وسطه، وقيل: قعره الأقصى، وقيل: عمقه ولجته. شرح النووي على مسلم، 6/ 406 - 407.
(2) مطهرة: الميضأة والمطهرة: ما يتوضأ به ويتطهر فيه من الآنية، تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص112.
(3) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم 868.
(4) شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 405 - 406.