ظاهر في أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس ... والذي يظهر [أن الطنفسة] كانت تفرش داخل المسجد، وعلى هذا فكان عمر يتأخر بعد الزوال قليلًا، وفي حديث السقيفة عن ابن عباس قال: (( فلما كان يوم الجمعة زالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر ) )، وأما علي فروى
ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق أنه: (( صلى خلف عليّ الجمعة بعدما زالت الشمس ) ). إسناده صحيح. وروى أيضًا من طريق أبي رزين قال: (( كنا نصلي مع علي الجمعة، فأحيانًا نجد فيئًا وأحيانًا لا نجد ) ). وهذا محمول على المبادرة عند الزوال، أو التأخير قليلًا. وأما النعمان بن بشير، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سماك بن حرب قال: (( كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس ) ). قلت: [القائل ابن حجر] وكان النعمان أميرًا على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية. وأما عمرو بن حريث فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، من طريق الوليد بن العِزار قال: (( ما رأيت إمامًا كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، فكان يصليها إذا زالت الشمس ) )إسناده صحيح أيضًا، وكان عمرو ينوب عن زياد وعن ولده في الكوفة أيضًا ... )) [1] .
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: (( المستحب إقامة الجمعة بعد الزوال؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك ... ؛ ولأن في ذلك خروجًا من الخلاف؛ فإن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة، وإنما الخلاف فيما قبله، ولا فرق في استحباب إقامتها عقيب الزوال
(1) فتح الباري، لابن حجر، 2/ 387: نقل هذه الآثار عن الصحابة وصححها كما ترى. ثم ذكر ما يعارض هذه الآثار، ومنها أن عبد الله بن مسعود صلى الجمعة ضحى، وضعفه، ومنها ما نقل أن معاوية صلى الجمعة ضحى، وضعفه أيضًا. وقال في احتجاج بعض الحنابلة بقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين ) )فلما سماه عيدًا جازت الصلاة فيه وقت العيد كالفطر والأضحى، وتعقب بأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيدًا أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقًا سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم )) فتح الباري لابن حجر، 2/ 387.