المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه؛ لتضع فيه بيضها، وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه، وقيل: هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر، وهذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود وهو ما يسع الجبهة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر، لكن قوله: (( بنى ) )يشعر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة رضي الله عنها: (( من بنى لله بيتًا ) )أخرجه سمويه في فوائده بإسناد حسن ... لكن لا يمنع إرادة الآخر مجازًا إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا كثيرًا من المساجد في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود، وروى البيهقي في الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد: قلت: وهذه المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم، وللطبراني نحوه من حديث أبي قرصافة وإسنادهما حسن )) [1] .
أما قوله - صلى الله عليه وسلم: (( من بنى مسجدًا لله ) )فمعناه: (( أي مخلصًا في بنائه لله تعالى ) ) [2] . وذكر ابن حجر رحمه الله عن ابن الجوزي - رحمه الله - أنه قال: (( من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من لإخلاص ) ) [3] . ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص؛ لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة على حسب إخلاصه، لكن الإخلاص الكامل لا يحصل إلا من المتطوع [4] .
أما قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عثمان - رضي الله عنه: (( بنى الله له مثله في الجنة ) )فقال
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1/ 545.
(2) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، 2/ 130.
(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1/ 545.
(4) فتح الباري شرح صحيح البخاري، 1/ 545.