أما السلاح الآخر الذي دخل به هذه المعركة في نفسه ثمّ مع بني جلدته فهو سلاح العقل الفطري اليقيني، وهو دليل من أدلة هذه المسائل التي يدور حولها الجدل، وقد تكلم عليه الأئمة الأوائل بما لا مجال لجاهل أن ينكره، ذلك لأن اناسًا ممن شدوا شيئًا من العلم فأخذوا منه كحسوات الطائر ظنوا ـ وبئس ما ظنوا ـ أن العقل أو دليل العقل شيء غير النقل والنص، فجعلوا الدليل العقلي في جهة أخرى من الدليل الشرعي، وهذا باطل من القول، فإن الدليل العقلي إذا ثبت صوابه كان دليلًا شرعيًا ويجب المصير إليه والأخذ به، وعلى هذا كبار الأئمة والعلماء المحققين مثل ما تقدم من كلام ابن خلدون وهو قول ابن تيمية وابن حزم وعبدالرحمن المعلمي اليماني صاحب كتاب «التنكيل» وإياك أن يخطر بخلدك أن هناك ثمة بدعة تسمى بالعقلانية، فهذه لفظة لم ينطقها أحد من الأوائل نابزًا بها غيره، إنما كان الأئمة يسمّون أهل البدع أهل الاهواء، نعم يحاول المبتدعة تسمية ماهم عليه بالعقلانية، وأن ادلتهم هي أدلة العقول البرهانية، ولكن هيهات أن تنطلي هذه الشعارات على الخبير الخرّيت بمسالك الناس في تزوير الشعارات وقلب الأسماء والألقاب، ثمّ كيف يكون العقل بدعة، وهو حجة الله تعالى على خلقه، وهو مناط التكليف الذي لا تصح عبادة قلبية أو عملية إلا به، لكن تكرير أهل البدع أنهم يتابعون العقل وأدلته، وأنهم يقفون معه ويرجعون إليه جعل بعض أهل العلم والسنة ينكر هذا الدليل بل يتابع هذا الانكار بالحط من قيمة هذا الدليل، وأهل البدع على الحقيقة لا يملكون دليلًا عقليًا واحدًا يسلم لهم كما هم لا يقفون مع النصوص الصحيحة ولا يقيمون لها شأنًا فهذا عمرو بن عبيد في مناظرة معه يذكر له حديث يخالف هواه، رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال عمرو:ـ لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن