الأمر الأول: يعتمد على فطرته، والفطرة لها مقرراتها ولها أفكارها، وقد أقامها الله في نفوس الخلق شاهدًا عليهم إذا أخطأوا، ومعنيًا لهم إذا راموا الحق وقصدوه، وقد قرر الكثير من علماء هذه الأمة قيمة هذا الميزان وأهميته، وأنه الملاذ الأخير لمن ضاقت به السبل وتاهت على عقله المعالم. يقول ابن خلدون في مقدمته: ـ ربما وقف الذهن في حُجُب الألفاظ بالمناقشات، أو عَثِر في اشتراك الأدلة بشغب الجدال والشبهات، وقعد عن تحصيل المطلوب، ولم يكد يتخلص من تلك الغمرة إلا قليل ممن هداه الله فإذا ابتليتَ بمثل ذلك وعرض لك ارتباك في فهمك أو تشغيب بالشبهات في ذهنك فاطرح ذلك وانتبذ حجب الألفاظ وعوائق الشبهات، واترك الأمر الصناعي جملة، واخلص الى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطرت عليه وسَرِّح نظرك فيه، وفرِّغ ذهنك فيه للغوص على مرامك منه واضعًا لها حيث وضعها اكابر النظار قبلك مستعرضًا للفتح من الله كما فتح عليهم من ذهنهم من رحمته وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، فإذا فعلت ذلك أشرقت عليك أنوار الفتح من الله بالظفر بمطلوبك، وحصل الإمام الوسط الذي جعله الله من مقتضيات هذا الفكر ونظره عليه» ا. هـ.
والأمر الثاني: هو وجود بعض الصواب في مذهبه ودينه، فما من مذهب في الأرض ينتسب للإسلام إلا وفيه بعض الحق، فهذا الحق الذي في مذهبه لا بدّ وأن يبّصره بالباطل المجاور له، فإذا قيل: هل من مرجح لهذا الحق على الباطل، وكلاهما أخذهما من معين واحد، وإلفه لهما على مرتبة واحدة، قلنا نعم: هناك مرجح لهذا الحق الذي معه على الباطل الذي ألفه هذا المرجح هو الفكر الطبيعي أو الفطرة العالمة كما تقدم.
هذا الكتاب ـ كسر الصنم ـ هو من الصورة الثانية من الجدل والمناظرة، أي صورة اختلاط الحق والصواب في نفس الرجل ومن داخله ينشأ الحوار.