فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 554

ولكن هناك صورة أخرى للجدل والمناظرة، هذه الصورة هي الجدل المهتدي حين ينشأ في نفس الرجل الذي اختلط في مذهبه الحق والباطل، خليط متنافر في نفس الوقت؛ في نفس واحدة ومذهب واحد، نشأ عليه بحكم الإلف والعادة، حين تربى على دين الآباء والاجداد، ومن هذا التجاور المتعارض بين الحق والباطل، بين الصواب والخطأ ينشأ الجدل، ومن معمعة هذا الجدل تنشأ الحقيقة، نعم لكل صورة جمالها وروعتها، فالصورة الأولى حين يصطدم الحق بالباطل، الصواب بالخطأ، الحق التام الكامل يكون بارزًا ويقوم ليكسر قرن الخطأ أو الباطل فيسحقه، والثانية حين يضطرب الحق رافضًا مجاورة الخطأ أو الباطل، فتتعذب النفس ويضطرب العقل، فتدور معمعة الحوار والجدل وتصطرع المفاهيم، وبتوفيق الله للرجل بالاخلاص ونشدان الصواب حقًا وصدقًا تبرز الحقيقة صافية لامعة: فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

رأينا هذا الجدل المهتدي في كتاب الإمام العلامة محمد بن إبراهيم الوزيرالصنعاني «العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم» رأينا فيه تلك النفس العالمة الفوارة التي تنطلق بقوة في بحثها عن الحقيقة، محطمة جدر وسدود الأعراف والتقاليد، غير آبهة بسطوة شيخ، أو بسطوة أفكار مجتمع محنّط، أو بسياق نمط عقلي، ثم رأينا فيه ـ وهذا هو الأهم ـ كيف يمكن لأتباع المذاهب كائنة ما كانت هذه المذاهب المنتسبة للإسلام أن يجمعوا نظائر الحق في مذاهبهم ليكتشفوا زوان الباطل المتكاثف ظلمة فيها، أي أنه يمكن للباحث عن الحقيقة والهداية أن يجادل بالحق المتسق مع الفطرة العقلية، ما هو باطل تتنافر اجزاؤه مع نفسها أولًا قبل تضادها مع الحقيقة.

وهذا الجدل يعتمد في ادراك الحق على أمرين اثنين في نفس المهتدي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت