وكان لهذه الصورة على مدار تاريخنا فرسان آتاهم الله الحظ الأوفر من العقل والزكانة والفطنة، وكانت لهم مناظرات مشهودة في هذا الباب تعد من غرر البحث التي تبسط النفس وتريحها كما تثير العقل وتكسبه معرفة وقدرة على النظر والمراجعة، ومن هذه المناظرات التي تدخل في هذه الصورة؛ مناظرة حبر الأمة عبدالله بن عباس مع الخوارج، ومناظرة أبي سعيد السيرافي ليونس بن متى القُنّائي في مجلس الوزير الفضل بن جعفر بين منطق اليونان الصناعي الدخيل وبين لغة العرب الشريفة، ومناظرة أو مناظرات أبي بكر الباقلاني مع النصارى؛ وذلك عندما أرسله الملك الملقب بعضد الدولة في رسالة إلى ملك الروم، ودارت هناك درر من المناظرات بين الباقلاني وزعماء النصارى انتهت إلى التعجيل برده إلى بلاده مخافة منهم على دين قومهم وعقيدتهم، أما حية الوادي وإمام الناس في فتق طرق المناظرة الفقهية فهو الإمام محمد بن ادريس الشافعي، وهو الذي علم أهل الحديث كيف ينتصروا بالحق الذي معهم على أهل الرأي حتى قال أحمد بن حنبل: ـ كانت أقفيتنا (أصحاب الحديث) في أيدي أصحاب أبي حنيفة، ما تنزع حتى رأينا الشافعي. ويدخل في هذا الباب كذلك كتب البحث والمراجعة التي كتبها شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في مباحثته الفرق البدعية، كرده على الروافض وكتب شيخهم الحلي: «منهاج الكرامة» ، فردّ عليه ابن تيمية في كتابه المشهور «منهاج السنة النبوية» ، وكذلك كتابه «درء تعارض العقل والنقل» في تخطئته للمتكلمين ومناقشة مباحثهم ومقرراتهم.
هذه الصورة هي الأغلب والشائعة في التاريخ، وهي في عقول الكثير من الناس لا يوجد غيرها.