قال: [فصل: وتصح الدعوى بحقوق الآدميين على الميت وعلى غير المكلف وعلى الغائب مسافة قصر، وكذا دونها إن كان مستترًا بشرط البيّنة في الكل] .
يرى الحنابلة أن الحكم على الغائب يصح، يعني: تصح الدعوى إذا كان الخصم غائبًا وأنت أيها المُدّعي ذهبت إلى القاضي ومعك شهود عدول، والخصم غائب عن البلد مسافة قصر أو كان مستترًا مستخفيًا؛ لأن المستخفي كالغائب.
وكذلك إذا كان ميتًا؛ لأن الميت كالغائب.
وكذلك إذا كان كذلك غير مكلّف، كصبي أو مجنون؛ لأنهم أولى من الغائب، لأنهم لا يعبّرون عن أنفسهم؛ فإذا كان الأمر كذلك فإن القاضي يحكم مع غياب الخصم.
واستدلوا بما جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قالت له هند زوجة أبي سفيان: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني وولدي ما يكفينا، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) متفق عليه؛ قالوا: وهذا يدل على أن الغائب يُحكم عليه.
وقال الأحناف وهو رواية عن أحمد: بل إن الغائب لا يُحكم عليه، أما الحديث فإنه في الفتيا لا في القضاء، وهناك فرق بين القضاء والفتيا، ولذا جاء في الترمذي والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع قول الآخر فإنك إن فعلت ذلك تبيّن لك القضاء) وهو حديث صحيح.
وعلى ذلك فلا يُحكم على الغائب إلا لضرورة، وإلا فإنه لا يحُكم على الغائب.
أما الحديث المتقدم فإن ذلك في الفُتيا لا في القضاء، وأيضًا: ليس فيه أن أبا سفيان كان خارج البلد، وإنما كان غائبًا عن مجلس القضاء.
إذًا: المذهب يرون أنه يُحكم على الغائب، ويرون أنه يُحكم عليه بلا يمين أيضًا، وبلا طلب كفيل.
وقال الشافعية: نحكم على الغائب لكن نطلب من المُدّعي مع البيّنة اليمين احتياطًا.
وقال بعض الحنابلة: نطلب منه أن يأتي بكفيل، حتى إذا أتى الآخر وتبيّن لنا أن الحكم لم يكن في محله فإنا قد حفظنا حقه بالكفيل؛ لأن الرجل قد يأتي ببيّنة أنه قد أقرض فلانًا قبل سنة، لكن هذا المستقرض قد رد له الحق وعنده بيّنة أنه رد الحق.
ولذا فالصحيح أنه لا يُحكم على غائب إلا عند الضرورة.