إذًا: العمد كما تقدم يكون بأن يقصد الجاني آدميًا معصومًا بما يقتله غالبًا، وهو يوجب القصاص، وقد ذكر هنا أن الولي مخير؛ للحديث المتقدم، وظاهره أن الخيار للولي ولو اختار المقتول قبل موته القصاص، واختار شيخ الإسلام تحتم القصاص إذا اختاره المقتول، وهو قوي، فهذا رجل قتل، وقبل أن تخرج روحه قال: أنا لا أرخص في قبول الدية، ولا أقبل إلا القصاص من قاتلي، فيتحتم على ذلك القتل؛ وذلك لأنه أولى بحقه من أوليائه.
قال: [وعفوه مجانًا أفضل] ، أي: إن عفا الولي عفوًا مطلقًا فقال: لا قصاص ولا دية، فهذا هو الأفضل، قال تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237] .
وقد روى الخمسة إلا الترمذي: (أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أتي بشيء من القصاص إلا أمر فيه بالعفو) .
فالعفو أفضل، ولكن ليس كل عفو في القود، أو في قتل النفس أفضل، إنما يكون أفضل كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا كان متضمنًا للعدل؛ لأنه لا يكون إحسانًا إلا مع العدل، فإذا ترتب عليه ظلم وترتب عليه ضرر فإن العفو لا يكون من الإحسان بل هو من الإساءة فلا يؤمر به.
هذا رجل قد صارت النفوس عنده رخيصة، وقد قتل سابقًا، ثم إنه اعتدى الآن وقتل نفسًا أخرى، فإذا عفي عنه فقد يعتدي مرة ثالثة ويقتل، فهذا الأفضل ألا يعفى عنه، وليس من الإحسان، ولا من العدل أن يعفى عنه.
كذلك: إذا ترتب على ذلك ظلم في المجتمع، كما يحصل في بعض القبائل، فيقولون: إنا إذا عفونا فإنا نقطع أن من أبنائنا من لا يرضى بهذا العفو، وقد يعتدي بالقتل ويزيد، ويقولون: إن حقنا لا يحفظ إلا بذلك، فإذا علم ذلك ورأينا المصلحة في ترك العفو، فإن العفو حينئذ لا يكون مستحبًا ولا يكون مأمورًا به.
إذًا: إنما يكون العفو مستحبًا تبعًا للمصلحة؛ لأنه لا يكون إحسانًا إلا مع العدل، لكن إذا ترتب عليه ظلم ورخصت معه الدماء وكثر الاعتداء، وقد يؤدي إلى حروب بين القبائل أو نحوها؛ فإن هذا لا يؤمر به.