قال:[باب: كفارة القتل.
لا كفارة في العمد عند جمهور العلماء]، أي: لأن الله جل وعلا إنما أوجب الكفارة في الخطأ، قال تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92] ، وأما العمد فلا كفارة فيه، وإنما تجب فيه التوبة إلى الله جل وعلا.
قال: [وتجب فيما دونه] يعني: الخطأ وشبه العمد، [في مال القاتل لنفسٍ محرمة ولو جنينًا] ، ودخل في النفس المحرمة المسلم والذمي والمستأمن، فمن قتل مسلمًا أو قتل ذميًا يهوديًا أو نصرانيًا أو قتل مستأمنًا، فإن عليه الكفارة.
وقوله: [ولو جنينًا] .
ولو أنه ضرب بطن امرأة فأسقطت جنينًا، فعليه الكفارة؛ لأن هذا الجنين محترم، وهذا هو قول الجمهور.
ولو كان القاتل صبيًا أو مجنونًا مسلمًا أو ذميًا فإن الكفارة تجب، إذًا: الكفارة تجب على كل قاتل، إذا كان هذا القاتل مسلمًا أو ذميًا مكلفًا أو غير مكلف؛ لعمومات الأدلة: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً} [النساء:92] .
وسواء قتله مباشرة كالسيف أو قتله متسببًا كأن يحفر بئرًا أو نحو ذلك.
قال: [ويكفر الرقيق بالصوم] ؛ لأن الكفارة هي عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، والرقيق لا مال له، وعلى ذلك فيصوم شهرين متتابعين.
[والكافر بالعتق] ؛ لأنه لا يصح الصوم منه، فيجب أن يعتق رقبة في ماله، يأمره القاضي بذلك.
[وغيرهما يكفر بعتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين] ؛ للآية الكريمة، قال الله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء:92] .
قال: [ولا إطعام هنا] ، ليس هناك إطعام، وعلى ذلك فنقول له أولًا: أعتق رقبة، فإن قال: إني لا أقدر على عتق الرقبة، لأنه ليس عندي مال أعتق به، فإنا نقول له: صم شهرين متتابعين، فإن قال: لا أستطيع.
نقول: تبقى في ذمتك حتى تقدر عليها.
والقول الثاني في المسألة: أنه يجب عليه إطعام ستين مسكينًا، قياسًا على كفارة الجماع وعلى كفارة الظهار، وهذا أقرب، وهو رواية عن الإمام أحمد.
وظاهر ما تقدم أن قاتل نفسه عليه الكفارة، تخرج من ماله، وهو المشهور في المذهب: أن قاتل نفسه.
والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن أحمد، واختاره الموفق ابن قدامة، واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو مذهب الأحناف: أنه لا تجب في ماله الكفارة.
يعني: لا يخرج من تركته ما يكفر به عنه، وهذا القول هو الراجح، ويدل على ذلك أن الله قال: {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء:92] ، وظاهر الآية أنها تدفع إلى غير قاتل نفسه.
ولما ثبت في الصحيحين في قصة عامر بن الأكوع رضي الله عنه فإنه رجع إليه سيفه فقتل نفسه، يعني: خطأً، ولم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج كفارة من تركته، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
قال: [وتتعدد الكفارة بتعدد المقتول] ، الكفارة تتعدد بتعدد المقتول، وهذا واضح، فلو قتل ثلاثة كما يكون هذا في حوادث السيارات أو غيرها، فعليه كفارات بعدد القتلى.
قال: [ولا كفارة على من قتل من يباح قتله كزانٍ محصن] ؛ أي: لأن نفسه ليست محترمة، فليس معصوم الدم.
قال: [ومرتد كذلك، وحربي كذلك، وباغٍ كذلك، وقصاصًا ودفاعًا عن نفسه] ، فلو قتله قصاصًا فلا كفارة؛ لأنه قتله بحق، وكذلك من قتل أحدًا دفاعًا عن نفسه، واحتاج إلى القتل، بحيث لم يندفع هذا الصائل إلا بالقتل فإنه لا كفارة عليه؛ لأن هذا القتل مباح له.