وما من شك أنه حين يقرر الله - سبحانه - أمرا يبينه في كتابه الكريم هذا البيان القاطع , ويقرر غيره أمرا آخر مغايرا له تمام المغايرة , فإن قول الله يكون أولى بالاتباع . وبخاصة ممن يدافعون عن الإسلام ; ويكتبون ما يكتبون بقصد دفع الشبهات عنه وعن أصل الدين جملة . . وأن هذا الدين لا يخدم بنقض قاعدته الاعتقادية في أن الدين جاء وحيا من عند الله , ولم يبتدعه البشر من عند أنفسهم ; وإنه جاء بالتوحيد منذ أقدم العصور ولم يجيء بغير التوحيد في أية فترة من فترات التاريخ , ولا في أيه رسالة . كما أنه لا يخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء الأديان المقارنة وبخاصة حين يعلم أن هؤلاء إنما يعملون وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية لدين الله كله ; وهي أنه وحي من الله , وليس من وحي الفكر البشري المترقي المتطور ! وليس وقفا على ترقي العقل البشري في العلم المادي والخبرة التجريبية !
ولعل هذه اللمحة المختصرة - التي لا نملك الاستطراد فيها في كتاب الظلال - تكشف لنا عن مدى الخطورة في تلقي مفهوماتنا الإسلامية - في أي جانب من جوانبها - عن مصدر غير إسلامي . كما تكشف لنا عن مدى تغلغل مناهج الفكر الغربية ومقرراتها في أذهان الذين يعيشون على هذه المناهج والمقررات ويستقون منها . حتى وهم يتصدون لرد الافتراءات عن الإسلام من أعدائه . . (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) . .
ونقف وقفة أخرى مع قصة نوح . . نقف مع نوح وابنه الذي ليس من أهله !
إنها وقفة على معلم واضح بارز في طبيعة هذه العقيدة وفي خطها الحركي أيضا . . وقفة على مفرق الطريق تكشف معالم الطريق . .
(وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن , فلا تبتئس بما كانوا يفعلون . واصنع الفلك بأعيننا ووحينا , ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون . . .)
(حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا:احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك - إلا من سبق عليه القول - ومن آمن , وما آمن معه إلا قليل . . .)
(وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل:يا بني اركب معنا , ولا تكن مع الكافرين . قال:سآوي إلى جبل يعصمني من الماء , قال:لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم , وحال بينهما الموج فكان من المغرقين . .)
(ونادى نوح ربه , فقال:رب إن ابني من أهلي , وإن وعدك الحق , وأنت أحكم الحاكمين . قال:يا نوح إنه ليس من أهلك , إنه عمل غير صالح , فلا تسألن ما ليس لك به علم , إني أعظك أن تكون من الجاهلين . قال:رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم , وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) . .
إن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين وشيجة فريدة تتميز بها طبيعة هذا الدين , وتتعلق بآفاق وآماد وأبعاد وأهداف يختص بها ذلك المنهج الرباني الكريم .
إن هذه الوشيجة ليست وشيجة الدم والنسب ; وليست وشيجة الأرض والوطن , وليست وشيجة القوم والعشيرة , وليست وشيجة اللون واللغة , وليست وشيجة الجنس والعنصر , وليست وشيجة الحرفة والطبقة . . إن هذه الوشائج جميعها قد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد ; كما قال الله سبحانه وتعالى لعبده نوح - عليه السلام - وهو يقول: (رب إن ابني من أهلي) . . (يا نوح إنه ليس من أهلك) ثم بين له لماذا يكون ابنه . . ليس من أهله . . (إنه عمل غير صالح) . . إن وشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما يا نوح: (فلا تسألن ما ليس لك به علم) فأنت تحسب أنه من أهلك , ولكن هذا الحسبان خاطئ . أما المعلوم المستيقن فهو أنه ليس من أهلك , ولو كان هو ابنك من صلبك !
وهذا هو المعلم الواضح البارز على مفرق الطريق بين نظرة هذا الدين إلى الوشائج والروابط , وبين نظرات الجاهلية المتفرقة . . إن الجاهليات تجعل الرابطة آنا هي الدم والنسب ; وآنا هي الأرض والوطن , وآنا هي القوم والعشيرة , وآنا هي اللون واللغة , وآنا هي الجنس والعنصر , وآنا هي الحرفة والطبقة ! تجعلها آنا هي المصالح المشتركة , أو التاريخ المشترك . أو المصير المشترك . . وكلها تصورات جاهلية - على تفرقها أو تجمعها - تخالف مخالفة أصيلة عميقة عن أصل التصور الإسلامي !
والمنهج الرباني القويم - ممثلا في هذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم وفي توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم وهي من هذا القرآن وعلى نسقه واتجاهه - قد أخذ الأمة المسلمة بالتربية على ذلك الأصل الكبير . . والمعلم الواضح البارز في مفرق الطريق . .
وهذا المثل الذي يضربه في هذه السورة من نوح وابنه فيما يكون بين الوالد والولد , ضرب أمثاله لشتى الوشائج والروابط الجاهلية الأخرى , ليقرر من وراء هذه الأمثال حقيقة الوشيجة الوحيدة التي يعتبرها . .
ضرب لها المثل فيما يكون بين الولد والوالد وذلك فيما كان بين إبراهيم - عليه السلام - وأبيه وقومه كذلك: