1-أن التغير عند المؤلف هو التبديل والتحويل (138) ، والنسخ هو التبديل، أي تبديل الحكم الأول بحكم آخر، فالمشروع يُجعل ممنوعًا والممنوع مشروعًا، أو نسخه مطلقًا إلى غير بدل، وهذا تغيير لصفته الشرعية، فبعد أن كان شرعًا صار غير ذلك، فمن جهة المعنى الأصلي لهما لا تجد كبير فرق بينهما.
وقد جعل المؤلف التغيير مضمونه «عبارة عن ترك الحكم الأول إلى الحكم الثاني» (139) .
2-ما سبق وقد ذكرته من أن تغير خصائص الحادثة لتغير الأزمنة إنما هو عبارة عن تجدد حادثة أخرى غير الحادثة السابقة، وحادثتان لهما حكمان ليس غريبًا ولا عجيبًا كما أسلفت ولا يسمى ذلك نسخًا ولا تغييرًا.
أما أنه لا يسمى نسخًا فظاهر ذلك أن النسخ هو رفع حكم الحادثة نفسها أما إلى بدل- والحادثة هي الحادثة- وأما إلى غير بدل.
وأما أنه لا يسمى تغييرًا في الحكم فظاهر أيضًا لأن حكم تلك الحادثة نفسها لم يتغير كما قلنا في مشروعية إعطاء المؤلفة قلوبهم، وإنما الذي تغير هو طبيعة الحادثة، لتصبح حادثة جديدة لها حكم جديد، ولا يقال هنا تغير في الحكم، وإنما يقال تغير في طبيعة الحادثة، لتصبح حادثة جديدة، فالمجموع حادثتان مختلفتان فيكون لهما حكمان مختلفان.
ولم يبق سوى هاتين الصورتين:
* إما أن تكون الحادثة هي مع اختلاف الأزمان فلا يمكن تغير حكمها إلا بالقول بالنسخ ولا سبيل إلى ذلك.
* وإما أن تكون الحادثة في الزمن الجديد غير الحادثة في الزمن القديم واختلاف حكمهما حينئذ لا يقال له نسخ ولا تغيير، وهنا يتضح ما قلته أن مقابلة النسخ بالتغيير لا ينبني عليه فقه، والقول بأن النسخ قد انقطع والتغيير لم ينقطع لأن هناك فروقًا بينهما ليس صحيحًا.
ومن هنا يتبين موضع النزاع وهو الصورة الأولى والتغيير فيها هو النسخ والتبديل المنهي عنهما.
وأما الصورة الثانية فليست في موضع النزاع ولا ينبغي أن تقترب منه.
وبهذا يتضح لنا السبيل ونحن ندرس هذه المسألة الخطيرة في الدين.. ونستطيع أن نعلم السبب في عدم التفات فقهاء السلف إلى أمثال هذه المقالة، التي أسماها بعض الباحثين «قاعدة» ، ذلك أنهم من الفقه والبصيرة، بحيث لا يلتفتون إلى القول بالتغير، لأنه لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يكون نسخًا وتبديلًا وهذا ليس لأحد من البشر، وإما أن لا يكون تغيرًا ولا نسخًا ولا تبديلًا، وإنما هو اختلاف وقائع وتحقيق مناط، ومن هنا نبدأ مناقشة هذه المقالة، لنتعرف على صحة القول بتغير الأحكام بتغير الزمان، وننظر هل هو قاعدة شرعية، وما هو موقف فقهاء الصحابة وفقهاء السلف منها ونقدم لذلك بذكر أسباب التغير عند هؤلاء الباحثين، ثم بعد ذلك نفصل القول في تصوير حقيقة هذه المقالة، ونعتمد في ذلك على أهم الكتب التي انتصرت لها، ثم نناقش ذلك ونتبعه بمناقشة بعض الباحثين فيما نسبوه إلى الإمامين الجليلين ابن القيم والشَّاطِبي.
المطلب الثاني: أسباب التغير وتصوير مذهب المخالفين:
التغير عندهم سببه تغير المصالح والأعراف (140) والعوائد (141) .
وقبل أن أتحدث عن صلاحية هذه الأسباب لتغير الأحكام يحسن بي أن أصور مذهب المخالفين.
تصوير مذهب المخالفين:
يرى بعض الباحثين المحدثين أن الصحابة عللوا الأحكام سواء بالعلل المستنبطة أو المنصوص عليها، وعملوا بالمصلحة والحكمة- وهي ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر، ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة وكان من نتيجة تعليلهم هذا أن غيروا بعض الأحكام تبعًا لتغير المعنى الذي لأجله شُرع الحكم وفي هذا رد على من منع تبدل الأحكام بتبدل المصالح، ووقف عند المنصوص، وإن أصبح لا يحصل المقصود منه أو لحق الناس من أجله الحرج والمشقة.
والسر في ذلك - والله أعلم - أن أصحاب رسول الله نظروا إلى الشريعة في مجموعها، ملاحظين مبادئها العامة، وقواعدها الشاملة كلها في آن واحد، فلم يجمدوا، وأما هؤلاء المانعون (142) فنظروا إلى النصوص الجزئية مفككة كأن كل واحد منها جاء بشرع أبدي لا يتغير، ولكن الأمر الذي لا يغفل عنه هنا، هو أن المتتبع لمسالكهم في هذا التغير يجدهم لم يندفعوا فيه بمجرد ما يلوح أنه مصلحة، بل كانوا يجعلون الأصل هو ما دل عليه النص، وأنه الذي يجب التمسك به، كما يؤخذ ذلك من عباراتهم: «كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله» ، أو «كيف نفعل ذلك مع أن النص يفيد كذا» الخ.. ولا يعدلون عن هذا الأصل إلا إذا دعت حاجة ملحة، ولا يسلمون التغير إلا بعد تقليب الأمر على وجوهه، والموازنة بين مصالحه ومفاسده حتى إذا ما بان لهم الراجح عملوا به والله أعلم » . (143)
والأحكام - فيما سوى العبادات - تتغير بتغير المصالح والأزمان (144) ، ويقول في موضع آخر: «وشيء جديد لم يظهر في تعليل القرآن وهو أن من الأحكام ما يدور مع المصلحة ويتبدل بتبدلها، والسبب في ذلك - على ما يظهر والله أعلم- أن هذا النوع من الأحكام مفوض لرأي الرسول × باعتباره إمامًا للمسلمين...» . (145)