وكلا الأمرين في إطلاقه على هذا النحو وهم وخرافة ؟!
فأحكام الشريعة منها ما هو ثابت ومنها ما هو متغير، وأحوال الحياة وأوضاع البشر منها ما هو ثابت ومنها ما هو متغير كذلك.
فإن أرادوا التجديد في الثوابت والقطعيات التي حسم فيها الشارع الحكيم بنصوص محكمة قاطعة فقد خابوا وخسروا، وإن دون ذلك الردة عن الإسلام!! لقد حرّم الله الزنا، فإذا جاءت القوانين الوضعية تبيحه لمن بلغ سن الرشد القانونية تحت دعوى التطور والحرية الشخصية فذلك خسران وردّة، ولقد حرّم الله الخمر ، فإذا جاءت القوانين الوضعية بإباحتها مسايرة للأوروبيين، وملاحقة للمدنية، وتقديسًا للحرية الشخصية، فإن ذلك خسران وردّة، ولقد حرم الله الربا والميسر، فإذا جاءت القوانين الوضعية بإباحته لاعتبارات اقتصادية أو ملاحقة للتطور والمدنية فإن ذلك خسران وردّة!! فما حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، وما أحله الله ورسوله فهو حلال إلى يوم القيامة، وكما لا يملك الإنسان تغيير أمر الله الكوني لا يحلّ له تبديل أمر الله الشرعي، وكما أن الخلق كله لله فإن الأمر كله لله: { أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] .
وإن أرادوا تجديد الاجتهاد في الظنيات ومسائل الاجتهاد بما يحقق المصالح البشرية ولا يخرج على الأدلة الشرعية فذلك حق، على أن يتم بضوابطه وأن يمارس من أهله، حتى لا يصبح دين الله نهبًا لكل عابث أو جهول، وإن قواعد الشريعة وأصول الاجتهاد فيها ما يلبي هذه الحاجة، ويحقق مصالح العباد أتم تحقيق في إطار من الحق والعدل، وهل جاءت الشريعة ابتداءً إلا لتحقيق مصالح العباد وإرشادهم إلى ما يكفل لهم الحياة الطيبة في الأرض والفوز بجنة الخلد ونعيم الأبد في الآخرة ) .
( المرجع:"تحكيم الشريعة ودعاوى العلمانية"د / صلاح الصاوي) .
الشبهة (8) : ادعاؤهم قسوة العقوبات الشرعية !
( يزعم دعاة التغريب وخصوم الشريعة أن الحدود والقصاص من العقوبات البشعة التي لا تلائم مدنية هذا العصر، ولا تتفق مع ما انتهت إليه النظريات الجديدة في علم الإجرام والعقاب التي تبدلت نظرتها إلى مرتكب الجريمة من كونه مجرمًا يستحق العقاب إلى كونه مريضًا يستحق الرحمة والعلاج، وهذه الشبهة قد أوسعها أهل العلم دحضًا ونقضًا وفيما كتبوه غناء بل ثراء، ولكن لا نرى بأسًا من إيراد هذه اللمحات .
نقول لهؤلاء الرحماء !:
أولًا: إن الذي قرر هذه العقوبات هو الله رب العالمين. أليس كذلك؟ إن جحدوا فقد كفروا وانتقل الحديث معهم إلى دائرة أخرى... إلى أصل الإيمان بالله ورسوله وكتابه واليوم الآخر، ولا وجه أن يناقش في الفرع من كفر بالأصل.
وإن أقروا انتقلنا بهم إلى سؤال آخر: أتؤمنون بحكمة الله في شرعه، وعدله في حكمه أم لا؟ إن جحدوا فقد كفروا ، وإن أقروا فقد خُصِمُوا، لأن هذه العقوبات من شرعه ومن حكمه، وقد أقروا بأن شرعه حكيم وحكمه عادل، فسقط الاعتراض من الأساس! ) .
( المرجع:"تحكيم الشريعة ودعاوى العلمانية"د / صلاح الصاوي) .
الشبهة (9) : قولهم: أي مذهب نُطبق ؟!
( ومن التهافت البيّن بعض ما يشنع به هؤلاء الخصوم من أن إقامة الحدود سيحوِّل أغلب المجتمع إلى معوقين ومشوهين نظرًا للانتشار الهائل للجريمة والتنامي المستمر في معدلاتها، فكيف تُقطع أيدي ثلثي المجتمع ونرجم أو نجلد تسعة أعشاره ؟!
وهذا القول فضلًا عما فيه من المبالغة في تصوير الواقع، وتقديم الأمة كلها على أنها عصابة من السراق والزناة والسكارى ؛ فإنه إلى التهافت والديماجوجية أقرب منه إلى المنطق العلمي النزيه.
فلقد علم هؤلاء وعلمت الدنيا كلها أن قيمة هذه العقوبات تكمن في التهديد بها وإعلانها على الملأ، وأن في مجرد النص عليها وإعلام الأمة بها والجدية في تطبيقها من الزجر والردع وإشاعة الهلع والفزع في نفوس الجناة والمجرمين ما تنحسر به هذه الجرائم وتتراجع به معدلاتها المتزايدة، بل ما ينقطع به دابرها أو يكاد ) .
( المرجع:"تحكيم الشريعة ودعاوى العلمانية"د / صلاح الصاوي) .
الشبهة (10) : ادعاؤهم افتقاد أهل الإسلام لبرامج عملية .
( يقولون: أي شريعة تطبقون وأية إسلام تنشدون: إسلام مالك أم إسلام أبي حنيفة أم إسلام الشافعي أم إسلام أحمد بن حنبل؟ إسلام الخميني في إيران أم إسلام النميري في السودان، أم إسلام ضياء الحق في باكستان، أم إسلام السعودية؟ إنكم لم تتفقوا على الإسلام الذي تدعوننا إليه وتجادلوننا في تطبيقه!!
وهم بهذا يريدون تقديم قضية الإسلام وكأنه شرائع منفصلة، ونماذج شتى متباينة تتفاوت من النقيض إلى النقيض، ويغرق معها مريد التطبيق في لجج من المتناقضات والمفارقات، ثم يحمِّلونه أوزار بعض هذه التجارب البشرية القاصرة، وكأن الإسلام هو المسئول عن هذا التشرذم وعن هذه الأخطاء، إذًا فهو لا يصلح للتطبيق.