1-المصلحة المرسلة ليست أصلًا من أصول الدين التي يُعمل بها، وإنما هي وسيلة متى توفرت شروطها، عُمِل بها، ومتى لم تتوفر، لم يُعمَل بها.
2-تعريف المصلحة المرسلة هي: ما لم يأتِ نصٌّ فيه بعينه بتحريم ولا وجوب، مع اندراجها تحت أصل عام.
وتعريف آخر يذكره الأصوليون وهو: الوصف الذي لم يثبت اعتباره ولا إلغاؤه مِنْ قِبَل الشارع.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه (الموافقات 4/210) :
« فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح، بشرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج» ا هـ.
فالمصالح المرسلة هي التي ليس هناك دليل باعتمادها أو إلغائها، ومنها: مصلحة عامة أو خاصة، أما ما نحن فيه، ففيه من المفاسد السابقة الذكر التي لا يشك عاقل أنها كافية في إخراج محل النزاع من باب المصالح المرسلة، إلى المفاسد المحرمة، والله أعلم.
وقد أخذ الصحابة بالمصالح المرسلة، وهكذا التابعون وأتباعهم، فتأليف الكتب الفقهية، وكتب اللغة العربية، وكتب علوم الحديث، وجمع القرآن والاقتصار على النُّسَخِ التي اختارها عثمان وإلغاء ما عداها .. إلى غير ذلك من المصالح، وكما ذكرنا سابقًا أنها ليست من الأصول، وإنما هي مسألة اجتهادية يصيب فيها الرأي ويخطئ، والتشريعة كلها جاءت لتحقق مصالح الناس، كما ذكر ذلك ابن القيم في كتابه (مفتاح دار السعادة 2/23) ، ورفع المشقّة والعسر والحرج.. الخ، كلها من لوازم المصالح للناس. ومن خلال هذا العرض السريع نستفيد أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد.
فعلى هذا فالمصلحة المرسلة لها شروط يجب أن تُراعى، فإذا توافرت شروط المصلحة عُمِل بها، فهل تقيّد المخالفون بهذه الشروط؟
وسيأتي ذكر الشروط بعد الكلام على الشبهة الخامسة عشر - إن شاء الله -.
( المرجع: رسالة: تنوير الظلمات بكشف مفاسد وشبهات الانتخابات ،لمحمد الإمام ، ص 177-178) .
الشبهة (6) : تحججهم بوجود طوائف غير مسلمة .
وللإجابة عن هذه الشبهة( نقول وبالله التوفيق:
أولًا: إنه لا يُقبل شرعًا ولا عرفًا ولا ديمقراطيًا أن تتخلى الأغلبية عن هويتها ومقدساتها وحضارتها طلبًا لمرضاة الأقلية، لاسيما إذا كانت هذه المقدسات لا مساس لها بالحقوق الأساسية المشروعة لهذه الأقليات، ماذا لو حدث العكس، وكان المسلمون هم الأقلية؟ هل كان يقبل منهم أن يطلبوا إلى الأكثرية التنازل عن هويتهم ومقدساتهم طلبًا لمرضاتهم؟
ثانيًا: إن الدولة القومية التي تنشدها هذه الأقليات التي تفصل فيها الدولة عن الدين، وتنفصم بها عرى الموالاة بين المسلمين تتعارض تعارضًا جذريًا مع أصل الإيمان بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، ولا سبيل إلى القبول بها إلا يوم أن نقرر أننا قد تخلينا عن ديننا وخلعنا ربقة الإسلام من أعناقنا وهيهات هيهات أن نكفر بالله ورسوله!
ثالثًا: إنه فيما عدا الولايات التي يُعتبر الإسلام فيها شرطًا لانعقادها تُفتح أمامهم كافة الأبواب للمشاركة الكاملة في بناء هذا الوطن شأنهم في ذلك شأن المسلمين سواء بسواء، وغني عن الذكر أن صيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم حقوق مقدسة لا مماراة فيها ولا جدال، ولا نرى حرجًا أن تصدر في شئونهم وثيقة خاصة ينص فيها على مركزهم القانوي في المجتمع من حقوق وواجبات إن هم رغبوا في ذلك وتكون ملحقة بالدستور، وتتمتع بنفس القوة التي يتمتع بها، ولهم أن يشترطوا لأنفسهم ما يشاؤون من ضمانات لكفالة حقوقهم المشروعة وعدم المساس بها من أحد من الناس، ثم بعد بهذا يعيشون كما عاش أجدادهم في هذه البلاد ولمدة تزيد عن ثلاثة عشر قرنًا من عمر الزمان في ظل تحكيم الشريعة ؛ آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ومعابدهم، لم تمتد إليهم يد بسوء، ولم يُكرهوا كما أكره المسلمون في الأندلس على تغيير دينهم، ولو أن المسلمين في الشرق توجهوا إلى شيء من ذلك ما بقي نصراني واحد في بلادنا إلى اليوم.
ملكنا فكان العفو فينا سجية فلما ملكتم سال بالدم أبطح
ولنستمع إلى شهادة كبار المؤرخين وهم يعقدون المقارنة بين نصارى الشرق وبين المسلمين في الغرب ومدى ما يتمتع به هؤلاء وأولئك من الحقوق والواجبات.
يقول الوزير دوجو فارا صاحب كتاب (مائة مشروع لتقسيم تركيا) فيما ينقله عنه الأمير شكيب أرسلان: (إن الدولة المسيحية ظلت مدة ستة قرون(699-1299هـ) تهاجم الدولة العثمانية الإسلامية رغم تسامح المسلمين وحسن معاملتهم لرعاياها من المسيحيين، ويقول: إن من أعظم أسباب انحلال هذه الدولة الإسلامية هو مشربها من إعطاء الحرية المذهبية والمدرسية للأمم المسيحية التي كانت خاضعة لها، لأن هذه الأمم بواسطة هاتين الحريتين -المذهبية والمدرسة- كانت تبث دعايتها القومية للانفصال عن السلطة العثمانية).