ثانيًا: يؤمن المسلمون أن الله سبحانه وتعالى أعطى هذه الأرض لبني إسرائيل لفترة محدودة ، عندما كانوا مستقيمين على أمر الله ، وعندما كانوا يمثلون أمة التوحيد في الأزمان الغابرة ، ولسنا نخجل أو نتردد في ذكر هذه الحقيقة وإلا خالفنا صريح القرآن ، ومن ذلك قول موسى عليه السلام لقومه: { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} ، غير أن هذه الشرعية ارتبطت بمدى التزامهم بالتوحيد والالتزام بمنهج الله ، فلما كفروا بالله وعصوا رسله وقتلوا الأنبياء ونقضوا عهودهم وميثاقهم ، ورفضوا اتباع الرسالة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم والذي بشر به أنبياء بني إسرائيل قومهم { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ} ، { وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } ، فلما فعلوا ذلك حلت عليهم لعنة الله وغضبه { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} ، وقال تعالى: { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} .
وبذلك تحولت شرعية حكم الأرض المقدسة إلى الأمة التي سارت على منهج الأنبياء وحملت رايتهم ، وهي أمة الإسلام. فالمسألة في فهمنا ليست متعلقة بالجنس والنسل والقوم ، وإنما بإتباع المنهج.
لقد شوه اليهود جمال التوحيد ، وافتروا على الله الكذب ، وزوروا تاريخ أنبيائهم. وعلى سبيل المثال تذكر التوراة المحرفة والتلمود أن الله { تَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} يلعب مع الحوت والأسماك كل يوم ثلاث ساعات ، وأنه بكى على هدم الهيكل حتى صغر حجمه من سبع سماوات إلى أربع سماوات ، وأن الزلازل والأعاصير تحدث نتيجة نزول دمع الله على البحر ندمًا على خراب الهيكل ، هذا فضلًا عما ذكره القرآن من ادعاءاتهم { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } ، { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ}
كما ينسب اليهود إلى سيدنا يعقوب عليه السلام سرقة صنم ذهبي من أبيه ، وأنه صارع الله (!!) قرب نابلس ، وسمي بذلك بإسرائيل ، كما تنسب له رشوة أخيه وخدعة أبيه ، وأنه سكت عن زنا ابنتيه وأنه أشرك بربه .. !! وقس على ذلك ما ذكروا عن باقي الأنبياء عليهم السلام.
إن اليهود أنفسهم يعترفون بالمنكرات التي فعلوها بحق الله وحق أنبيائه ، فيذكرون أن ملكهم يوحاز بن يوتام 735 - 715 ق.م علق قلبه بحب الأوثان حتى إنه ضحى بأولاده على مذابح الآلهة الوثنية ، وأطلق لنفسه عنان الشهوات والشرور ، وأضل مني منسي بن حزقيا الذي حكم خلال الفترة 687 - 642 ق.م قومه عن عبادة الله وأقام معابد وثنية.
ولسنا نستغرب هذا عن بني إسرائيل فتلك أخلاقهم مع موسى عليه السلام تشهد بذلك . كما أن القرآن الكريم يشير إلى أنهم غيروا وبدلوا وقتلوا الأنبياء { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} ، ويحدثنا التاريخ أنهم قتلوا النبي حزقيال حيث قتله قاضٍ من قضاتهم لأنه نهاه عن منكرات فعلها ، وأن الملك منسى بن (حزقيا) قتل النبي أشعيا بن أموص إذ أمره بنشره على جذع شجرة لأنه نصحه ووعظه ، وأن اليهود قتلوا النبي أرميا رجمًا بالحجارة لأنه وبخهم على منكرات فعلوها.
ويسجل التلمود أن سقوط دولة اليهود وتدميرها لم يكن إلا"عندما بلغت ذنوب بني إسرائيل مبلغها وفاقت حدود ما يطيقه الإله العظيم ، وعندما رفضوا أن ينصتوا لكلمات وتحذيرات إرمياه". وبعد تدمير الهيكل وجه النبي إرمياه كلامه إلى نبوخذ ونصر والكلدانيين قائلًا:"لا تظن أنك بقوتك وحدها استطعت أن تتغلب على شعب الله المختار ، إنها ذنوبهم الفاجرة التي ساقتهم إلى هذا العذاب".
وتشير التوراة إلى آثام بني إسرائيل التي استحقوا بسببها سقوط مملكتهم ، فتذكر على لسان أشعيا أحد أنبيائهم"ويل للأمة الخاطئة ، الشعب الثقيل الآثم ، نسل فاعلي الشر ، أولاد مفسدون تركوا الرب ، استهانوا بقدوس إسرائيل ، ارتدوا إلى وراء"، سفر أشعيا الإصحاح الأول (4) ، وتقول التوراة:"والأرض تدنست تحت سكانها ، لأنهم تعدوا الشرائع ، غيروا الفريضة ، نكثوا العهد الأبدي"سفر أشعيا الإصحاح 24 (5) .