فإن كانوا عالمين ، فإنهم يبرهنون بشكل قاطع لا يقبل الريبة والشك أنهم عملاء لأعداء الإسلام، بل أداة تنفذ لإشاعة كل ما يثيرونه من أراجيف ، وما يروجونه من أكاذيب ، وما أكثر أولئك الذين يرتبطون بالأعداء ، ويوصمون بالعمالة ، وما هم في الحقيقة إلا طابور خامس لإثارة الفتن ، وتمزيق وحدة الأمه ، وربط البلاد بعجلة الدول الأجنبية ، والسير بالجيل الناشئ نحو الإلحاد الشائن ، والضلال الممقوت.
وإن كانوا جاهلين ، فإن من الواجب عليهم أن يسألوا ويفهموا ، قبل أن يحكموا ويروّجوا ، حتى تظهر لهم الحقائق ناصعة بأجلى مظاهرها ومعانيها ، وليس عارًا على الإنسان أن يبحث ويسأل ويتعلم ، ولكن العار كل العار أن يعيش في بيداء الجهل ، ويسير في متاهات الضلالة ، يتبع كل ناعق ، ويخطو وراؤ كل عميل ، ورحم الله من قال:
لاتأخذ العلم إلا عن جهابذة
بالعلم نحيا وبالأرواح نفديه
أما ذوو الجهل فارغب عن مجالسهم
قذ ضّل من كانت العميان تهديه
وقبل أن أشرع في دفع هذه الاتهامات الباطلة التي يثيرها الأعداء على نظام تعدد الزوجات أريد أن أبيّن حقيقة هامة ، لها أكبر الارتباط بالكتّاب الإسلاميين الذين يكتبون عن الإسلام في هذا العصر ، وهي أنهم - في أكثر مايكتبون - يظهرون الإسلام بمظهر المتهم ، ويضيعونه حين يتولون الدفاع عنه في موضع الريبة والشك ، بل يصل الأمر عند البعض يؤولوا النصوص ، ويقلبوا الحقائق ، إبعادًا للإسلام عن التهمة ، وتوفيقًا بين مبادئ الإسلام وأراجيف الأعداء.
وهذا من الخطأ الفادح الذي وقع فيه كثير من الكتّاب في هذا العصر ، وفي تقديري أنهم يسيئون أكثر مما يحسنون ، ويزيدون التهمة تعميقًا وتثبيتًا أكثر مما يدافعون ، وما كان عليهم لو أنهم وقفوا في ردودهم وكتاباتهم مقف الهجوم لكل من ينال من نظام الإسلام ، أو يمس قدسية الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فلو أنهم فعلوا مثل هذا لأفهموا خصوم الإسلام: أن مبادئ الشريعة ةنظم القرآن ، هي الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وماعداه من أنظمة وضعية وقوانين بشرية ، فيها الكثير من القصور والنقص والباطل .. ولا شك من ذلك . ولو أنهم وقفوا من أعداء الإسلام موقف الهجوم لوضعوا التشريع الإسلامي موضعه اللائق به من التشريف والتكريم ، ليعلم كل ذي عقل وفيهم أن للإسلام دوره العظيم ، ومهمته الكبرى ، في رد الناس إلى الحق ، وهداية البشرية الحائرة .. وما أجمل تعبير القرآن حين أعلن حكم الله ، وهاجم حكم الجاهلية في قوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (1) ، ألا فليأخذ كتّاب الإسلام من القرآن الكريم طريقة الرد ومنهج المناظرة في دفاعهم عن نظام الإسلام ، حتى لايقعوا في الخطأ الذي وقعوا فيه ، وعلى الله قصد السبيل.
وبعد هذه التقدمة سأشرع في بيان نظام الإسلام في تعدد الزوجات ، ثم أعّرج على ذكر الحكمة من تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأرى - إن شاء الله - بعد ذكر هذه الحقائق أن شبابنا وشاباتنا الذي تأثروا بالدعايات المغرضة ، والإشاعات الكاذبة سيؤوبون إلى الحق ، ويثوبون على الرشد ، ويؤمنون من قرارة نفوسهم: أن الإسلام دين العزة والكرامة ، وتشريع الحق والهداية ، ومبدأ العدالة والمساواة ، ومنهج حكم ، ونظام حياة . صدق الله العظيم القائل في محكم كتابه {وَأَنّ هََذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُواْ السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} (2)
(1) سورة المائدة الآية 50
(2) سورة الأنعام الآية 15
لمحة تاريخيّة عن التعدُّد لم يكن الإسلام أول من شرع نظام تعدد الزوجات ، بل كان موجودًا في الأمم القديمة كلها تقريبًا: عند الأثينيين ، الصينيين ، الهنود ، البابليين ، الآشوريين ، المصريين . ولم يكن له عند أكثر الأمم عدد محدود ، فقد سمحت شريعة (ليكي) الصينية بتعدد الزوجات إلى مائة وثلاثين امرأة ، وكان عند أحد أباطرة الصين نحو من ثلاثين ألف امرأة.
والديانة اليهودية كانت تبيح التعدد بدون حد ، وأنبياء التوراة جميعًا بلا استثناء كانت لهم زوجات كثيرات (1) ، ويقول الاستاذ عباس محمود العقاد في كتابه (حقائق الإسلام وأباطيل خصومة) (2) ما يلي (ولا حجر على تعدد الزوجات في التوراتة أو في الانجيل ، بل هو مباح ومأثور عن الأنبياء أنفسهم ، من عهد إبراهيم الخليل عليه السلام إلى عهد الميلاد ...) .