فهي تأمر بالبر بهم والعدل في معاملتهم ، والمساواة بينهم وبين المسلمين في الحقوق والواجبات التي لا تتعلق بعبادة أو فريضة ، إنما تتعلق بنظام المجتمع وحقوق المواطنين فيه . وتزيد على ذلك أن تسعى إلى توثيق الروابط بينهم وبين المسلمين بالتزاور والمؤاكلة والمشاربة ، وهي لا تكون إلا بين الأصدقاء المتحابين ، وتتوج ذلك برباط الزواج وهو أوثق رباط .
أما التطبيقات ، فيحسن أن نترك الحديث فيها لرجل مسيحي أوربي لا يتهم بالتحيز للإسلام .
يقول سيرت. و . أرنولد في صفحة 48 من كتابه"الدعوة إلى الإسلام"ترجمة حسن إبراهيم حسن وعبد المجيد عابدين وإسماعيل النحراوي:
"ويمكننا أن نحكم من الصِّلات الودية التي قامت بين المسيحيين والمسلمين من العرب بأن القوة لم تكن عاملًا حاسمًا في تحويل الناس إلى الإسلام . فمحمد نفسه قد عقد حلفًا مع بعض القبائل المسيحية ، وأخذ على عاتقه حمايتهم ومنحهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية . كما أتاح لرجال الكنيسة أن ينعموا بحقوقهم ونفوذهم القديم في أمن وطمأنينة".
ويقول في صفحة 51:"ومن هذه الأمثلة التي قدمناها آنفًا عن ذلك التسامح الذي بسطه المسلمون الظافرون على العرب المسيحيين في القرن الأول من الهجرة ، واستمر في الأجيال المتعاقبة ، نستطيع أن نستخلص بحق أن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام ، إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة . وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح".
ويقول في صفحة 53:"ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن ، وعسكر أبو عبيدة في فحل ، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب يقولون: يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم ، وإن كانوا على ديننا . أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا".
وفي صفحة 54:"وهكذا كانت حالة الشعور في بلاد الشام إبان الغزوة التي وقعت بين سنتي 633 ، 639م والتي طرد فيها العرب جيش الروم من هذه الولاية تدريجًا . ولما ضربت دمشق المثل في عقد صلح مع العرب سنة 637م ، وأمنت بذلك السلب والنهب ، كما ضمنت شروطًا أخرى ملائمة ، لم تتوان سائر مدن الشام في أن تنسج على منوالها فأبرمت حمص ومنبج وبعض المدن الأخرى معاهدات أصبحت بمقتضاها تابعة للعرب ، بل سلم بطريق بيت المقدس هذه المدينة بشروط مماثلة . وإن خوف الروم من أن يكرههم الإمبراطور الخارج على الدين على إتباع مذهبه ، قد جعل الوعد الذي قطعه المسلمون على أنفسهم بمنحهم الحرية الدينية أحب إلى نفوسهم من ارتباطهم بالدولة الرومانية وبأية حكومة مسيحية . ولم تكد المخاوف الأولى التي أثارها نزول جيش فاتح في بلادهم تتبدد حتى أعقبها تحمس قوي لمصلحة الفاتحين".
تلك شهادة رجل مسيحي عن الإسلام . فما الذي يخشاه المسيحيون إذن من الحكم الإسلامي ؟
لعلهم يخشون تعصب المسلمين ضدهم . فيظهر إذن أنهم لا يعرفون معنى التعصب . فلنضرب لهم أمثلة منه على مدار التاريخ .
كانت محاكم التفتيش في أسبانيا مقصودًا بها القضاء على المسلمين قبل كل شيء . وقد استخدمت فيها أبشع ألوان التعذيب التي عرفت في التاريخ ، من إحراق الناس أحياء ، ونزع أظافرهم وسمل عيونهم وتقطيع أوصالهم ، لإكراههم على ترك دينهم واتباع مذهب مسيحي معين . فهل لقي المسيحيون في الشرق الإسلامي شيئًا من ذلك طول مقامهم هناك ؟
والمجازر تقام للمسلمين في كل بلد أوربي أو واقع تحت سيطرة الأوربيين في يوغوسلافيا وألبانيا وروسيا ، وفي الشمال الأفريقي والصومال وكينيا وزنجبار ، وفي الهند والملايو ، مرة باسم تطهير الصفوف ومرة باسم إقرار الأمن والسلام !
ولكنا نترك كل هذا ونأخذ مثلًا واحدًا له دلالته الخاصة وهو الحبشة ، فهي بلد تربطنا به منذ القدم روابط تاريخية وجغرافية وثقافية ودينية . فالحبشة - كما هو معلوم - تابعة للكنيسة المصرية . وسكانها خليط من المسلمين والمسيحيين ، وأقل الناس تقديرًا يقدر المسلمين بـ55% من مجموع السكان . بينما يقدرهم آخرون بـ65% ! فلنأخذ أقل التقديرين!
ليس في الحبشة مدرسة واحدة حكومية تدرس الدين الإسلامي لتلاميذها المسلمين . ولا مدرسة واحدة تعلم اللغة العربية . أما المدارس التي يفتحها المسلمون على نفقتهم فإن الحكومة تظل تفرض عليها من الضرائب والمضايقات ما يؤدي إلى إغلاقها في آخر الأمر وتيئيس غيرهم من القيام بمحاولة جديدة . وهكذا يقتصر الأمر هناك بالنسبة للمسلمين على الكتاتيب .
وإلى عهد قريب - إلى ما قبل الغزو الإيطالي - كان المسلم الذي يستدين من مسيحي حبشي ويعجز عن الوفاء بدينه يصبح رقيقًا للحبشي يشترى ويباع ويعذب بمعرفة الدولة .
وبطبيعة الحال ليس في وظائف الحكومة ولا وزاراتها واحد مسلم ليقوم بتمثيل أكثر من نصف السكان . وهذا كله والكنيسة المصرية هي المشرفة على التوجيه الديني هناك ! !