( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ )
فقد يستدلون بأن الذي يخلق إنما هو إله واستلالهم بذلك يدل على جهلهم فقد يستدل بجزء من الآية بما يتنافى مع آخره إنه يقول بإذن الله أي أنني أفعل شيئا ليس بإذني ولا بقدرتي ولكنه بإذن الله الذي أرسلني وعليه فيكون مفهوم الآية أنني أحمل لكم ما يدل على أن الذي أرسلني هو الله الخالق ودليلي على ذلك أنني سأريكم شيئا يدل على أن الله الخالق هو الذي أرسلني .
وكما تعلمون أنه أرسل إلى بني إسرائيل وهم أهل كتاب ويعرفون أن الله هو الخالق وأن أمر الخلق محسوم لله ولا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى وبالتالي فهو يخبرهم بأن الخالق الذي أرسله إليهم والذي يعرفونه ويؤمنون به أرسله وجعل دليل نبوته وصحة رسالته شيئا من خصائص الله ولكن لم يفته أن ينسب ذلك لله فلم يعترف اليهود به رسولا من عند الله وأنكروه وقرروا صلبه وقتله وبالغ النصارى فرفعوه فوق قدره وجعلوه إلها يعبد من دون الله .
فكان أمر الناس فيه بين منكر له وكافر به وبين مبالغ فيه ورفعه إلى مقام الألوهية حتى جاء الإسلام فأنصفه المسلمون وأعطوه حقه اللائق به من النبوة والرسالة فشهدوا له بالحق الذي أرسله الله من أجله وجاء القرآن ليشهد له أنه قد بلغ ما أمر بتبليغه دون تقصير أو تفريط قال تعالى ( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:116) ( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة:117) ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118)
فالقرآن الكريم يشهد لعيسى بن مريم بأنه بلغ ما أمره الله بتبليغه ويشهد له بأدبه الرفيع وأخلاقه الحسنة وحبه لعباد الله وتفويض أمرهم إليه سبحانه وتعالى ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118) لك الله يا نبي الله ما أحسن قولك وما أشد أدبك وما أجمل حديثك مع ربك ولما لا وأنت قد أرسلك ربك وأعدك وجهزك لتحمل رسالته إلى بني إسرائيل وهم قوم عرفوا بالجدل والمراوغة .
( وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ )
وآية أخرى ومعجزة كبرى وهي أنني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله فانتم يابني إسرائيل تعلمون أنني لم أتعلم الطب وقد عشت بينكم لم يعلمني منكم أحد وقد عجزتم عن إبراء الأكمه والأبرص وأما أنا فبإذن الله أبرئ الأكمه والأبرص بل وأحيى الموتى بإذن الله فهل تؤمنوا بي وتتبعوني وتصدقونني فيما أرسلت به ؟
( وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:49) كل هذه الآيات البينات لأبرهن لكم على صدق رسالتي وأن الله أرسلني إليكم فهل تؤمنون بي وتتبعونني فيما جئت إليكم به من ربكم .
( وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) (آل عمران:50) إنني يا معشر بني إسرائيل ما جئت لكم بدين جديد ولا جئت بما تكرهونه بل جئت مصدقا لما بين أيديكم من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، أي جئت لأخفف عنكم فهل تقبلون مني رسالة ربكم ؟
يا بني إسرائيل ها هي الآيات البينات الواضحات وها هي رسالة ربكم فاقبلوها .
ولكن هل قبل بنو إسرائيل رسالة ربهم بالطبع لا بل رفضوها وقرروا قتل عيسى ابن مريم فنجاه الله من أيديهم ولم يمكن عباد العجل وإخوان القردة والخنازير ومن قالوا على ربهم يد الله مغلولة ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) (المائدة:64) ومن قالوا على ربهم إن الله فقير ونحن أغنياء ( لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (آل عمران:181)