فهرس الكتاب

الصفحة 486 من 4557

قلنا: إن الحكمة هي من صفات الحكيم - هو الله سبحانه - وما دام أن كل شيء في الكون يحتمل أن يكون على واحد من أوضاع كثيرة غير الوضع الذي هو عليه الآن، فإن العقول لابدّ أن تحكم بداهة بأن ما كان كذلك فلابدّ من مخصص قد خصصه باحتمال موافق للحكمة والإبداع والاتفاق من جملة احتمالات كثيرة، ولولا وجود المخصص للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجح، أو القول بأن موافقة الحكمة - فيما لا حصر له من الأعداد - كان على طريق التصادف، وكلاهما مستحيل عقلًا.

3-دليل الإتقان في الكون:

من أعظم ما يدهشنا في أنفسنا في الكون من حولنا ذلك الإتقان العجيب في التركيب والصنع، فما نصادف من شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ وهو في غاية الإتقان، مركب أحكم تركيب يؤدّي به إلى غايته التي خُلق من أجلها.

أليس من الإتقان هندسة الكون العجيبة، في مخطط كواكبه ونجومه، بحيث إن أيّ تغيير فيه يؤدّي به إلى الخلل والنقص أو الخراب والفناء، وكذلك أليس من الإتقان المدهش هذا الإنسان في خلقه وتكوينه، وكذلك هذه الحيوانات المدهشة في تكوينها؟ نعم، في كل شيء نرى فيه الإتقان المدهش الذي لا يصدر إلاّ عن متقن بنفسه يتقن كل شيء صنعًا.

فهذه أدلة علمية عقلية كلها تدل على أن الكون بما فيه المادة، حادثة وموجودة بعد أن لم يكن لها وجود، فهي حادثة، والحادث لابدّ له من مُحدِث، وبهذه يبطل قول الماديين بأزلية المادة كما أنها في حالة حدوث وتغيير دائمين، فحدوثها وتغييرها دليل على أن لها بداية، وهذا الدليل نفسه يقودنا إلى أن للمادة نهاية محتومة لابدّ أن تصير إليها؛ لأن كل شيء له بداية لابدّ أن يكون له نهاية.

وحين لا يسلم بهذه الأدلة المنطقية العقلية التي تدل على حدوث الكون (المادة) وبدايته ونهايته طائفة من المفتونين بالعلوم الحديثة وقوانينها، ومنجزاتها، فإنني أعرض لهم أدلة من هذه العلوم وقوانينها التي تثبت حدوث الكون، وأنه لابدّ له من إله أوجده من العدم، كما أن له نهاية محتومة سيصير إليها.

المجموعة الثانية: في بيان الأدلة العلمية على أن المادة ليست أزلية ولا أبدية:

وهذه الأدلة يمكن أن نقسمها قسمين:

الأول: الأدلة العلمية الحديثة الدالة على أن المادة ليست بأزلية:

وذلك بما يلي:

1-أثبتت الاكتشافات العلمية في العصر الحديث أن للمادة بداية، حيث لاحظ العلماء أن حركة المادة في الكون كله حركة دائرية، فكل ذرة من ذرات الكون مؤلفة من جزئي كهربيّ موجب، ويُسمَّى (البروتون) ، وجزئيٍ كهربي سالب، ويُسمَّى (إليكترون) ، وبعض الذرات تحتوي على جزء ثالث معتدل ويُسمَّى (النيترون) ، هذا، ويشكل البروتون والنيترون في حالة وجوده كتلة النواة، أمَّا الإليكترون فهو يدور بسرعة دائرية هائلة، ولولا هذا الدوران لجذبت كتلة النواة كتلة الإليكترون، ولم يكن هناك امتداد لأيّ مادة على الإطلاق، بل لولا هذا الدوران لكانت الأرض كلها - كما يقال - في حجم البيضة.

هذا الدوران هو سنة الله في الطبيعة، فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، وهكذا كل ذرة تدور في هذا الكون، والذي نريده هو: أن الشيء الدائر لابدّ أن تكون له نقطة بداية زمانية ومكانية ابتدأ منها.

2-يقول «إدوارد لوثر كيسيل» في معرض ردّه على القائلين بأزلية الكون: (ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يُثبت خطأ هذا الرأي الأخير، فالعلوم تُثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًّا، فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك؛ أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأجسام وينضب منها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هناك أثر للحياة نفسها في هذا الكون، ولما كانت الحياة لا تزال قائمة؛ ولا تزال العمليات الكيماوية والطبيعية تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًّا وإلاّ لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود، وهكذا توصلت العلوم - دون قصد - إلى أن لهذا الكون بداية، وهي بذلك تثبت وجود الله؛ لأن ما له بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولابدّ من مبدئٍ، أو من محرك أول، أو من خالق هو: الإله) .

فهذه الأدلة العلمية القاطعة تُثبت أن المادة غير أزلية، والآن أعرض فيما يلي الأدلة العلمية على أن المادة ليست أبدية.

الثاني: الأدلة العلمية الدالة على أن المادة ليست أبدية:

من أشهر هذه الأدلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت